
حقيقة الجنّة والنار
مَن الذي يوجد الجنّة والنار وما فيهما وكيف ومتى؟
ما معنى (وقودها الناس والحجارة)؟ ومن الذي يوجد النار وعذابها والجنّة ونعيمها وكيف يحصل ذلك؟ كيف يجمع أولياء الله بين العيش في الجنّة وهم في الدنيا، وبين آلام الدنيا ومصائبها ومسؤوليّاتها؟ وما العلاقة بين هذا المعنى للجنّة والنار وبين نسبة الإمام عليه السلام الذنوب إلى نفسه؟ في سياق تفسير فقرة (إذا رأيت مولاي ذنوبي فزعت) تلخّص هذه المحاضرة أهمّ ما سبق في المحاضرات السابقة وتفصّل في حقيقة الجنّة والنار لتأسيس مقدّمات الجواب على إشكاليّة نسبة الإمام الذنوب إلى نفسه.
حقيقة الجنّة والنار
14وهكذا هو الحال إذا عمل إنسان عملاً صالحًا كما ذكرنا، فبمقتضى معرفته ومقتضى نيّته ومقتضى مستوى رقيّه [يجعل له من الثواب والنعيم]، فلو أدّي حج، فذاك يسأل عن الحرّ والبرد والازدحام وأنّه هل كان هناك حرّ أم برد أم مرض؟ هل مرضت ولم تقدر على أخذ البنسلين؟ هل شربت الدواء أم لم تشربه وتعبت؟! فهذا يسأل عن ذلك ويؤدّي حجًّا، وذاك أيضًا يؤدّي حجًّا أنا لم أفهم بعد خمس وأربعين سنة ذاك الكلام الذي جرى حوله في تلك الليلة وأنّ ذاك الكلام إلى أين ينتهي وبأيّ شيء يرتبط، فهذا حجّ أيضًا، فهل هذان النوعان من الحجّ سواء ولهما مستوى واحد من الثواب والدرجة من تجرّد النفس وانكشاف الحقائق للإنسان؟! ذاك يحجّ فيكتب له سانتيمتر واحد إن كتبوا له، سانتيمتر واحد، وهذا يحجّ فلا يتمكّن حتّى جبرائيل من كتابة ثوابه لأنّه ليس تحت قدرة جبرائيل، ليس تحت قدرة الملائكة المقرّبين وسيطرتهم، وقد بيّنت هذا الأمر، فهذا نوع وذاك نوع آخر.
جهتان في خلق الجنّة
فإذن وبناء على ذلك، فإنّ للجنّة التي خلقها الله للمؤمنين يوم القيامة جهتان:
الجهة الأولى: جهة الانتساب إلى ذات الله، وجميع الأشياء تنبع من مبدئه الفيّاض. وهذه الجهة محفوظة [لا تنتفي بسبب الجهة الأخرى].
الجهة الثانية: مستوى تأثير الفرد في إيجاد تلك الجنّة وخلقها، فبمقدار ما يكون ذلك الإنسان مخلصًا وصادقًا في عمله وفي كلامه وفي استماعه وفي صلاته وفي علاقاته، ولا يخادع نفسه والآخرين ويقرّب نفسه إلى الحقيقة، فإنّهم يجعلونه بهذا المستوى في تلك المرتبة.
تلك الصلاة التي تصلّيها والتي تخرجُ أثناءها من عينك قطرة دمع فقد خلقت في تلك اللحظة وبهذا المستوى الحورَ والغلمان، لم يخلقهما الله بل أنت خلقتهما، فخلق هذه الحور والغلمان ليس هكذا بأن يخرجهما الله من المصنع كالسيّارة، فهل رأيتم السيّارة، يجعل الحديد والأسلاك والبلاستيك وأمثال ذلك في جهة من المصنع فتخرج من الجهة الأخرى سيّارة، سيّارة جميلة لها عجلات ولها عجلة قيادة ولها محرّك ولها ناقل الحركة كلّ ذلك منظّمًا ومرتّبًا، فاليوم لا بدّ أن يصنع هذا المصنع مائة سيّارة وغدًا مائة وعشرة وهكذا حتّى يخرج خلال شهر هذا المقدار من السيّارات لا أكثر ولا أقلّ، وفق ما نظّم على أساسه، فلم يخلق الله الحور العين ولا هيّأها وجعلها إلى جانب ميزانه، مثلاً خمسة ملايين من الحور، وخمسة ملايين ليست بشيء بالقياس إلى هذا العدد من الناس وهذا التمجيد الذي قدّمه الأعاظم، فنحن لم نرَ، نحن قلوبنا صادقة فوثقنا… يقال إنّه دخل أحدهم مجلسًا وكان من إحدى البلدان، فرأى أنّ الجميع يضحكون فأخذ يضحك هو أيضًا، قالوا لماذا تضحك؟ قال: أنا وثقت بكم من الآن حتّى أفهم ما تقولون. ونحن الآن وثقنا بما قاله الأعاظم وإلا فماذا نعرف نحن؟!
