انقطع الاتصال بالخادم. جارٍ إعادة المحاولة...

يتعذّر إنشاء الاتصال.

تم رفض الاتصال من قبل الخادم.

جارٍ التحميل...
00:00:00
صورة
إضافة للمفضلة

إذْنُ اللهِ فطريٌّ وعقليٌّ وشرعيٌّ

شرح فقرات مِن دعاء الافتتاح – الجلسة الخامسة

0
الجلسات

دارت المحاضرة حول الإذْن في قوله (اللّهُمَّ أَذِنْتَ لِي)، فوضّح سماحة العلّامة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ (قدّس الله سرّه) أنّ الأُذون ثلاثة: شرعيّ وعقليّ وفطريّ، وبسط الكلام فيها شرحًا وتفصيلًا وتمثيلًا؛ فعرّفها وذكر موارد تطابق واختلاف حكم الشرع والعقل والفطرة، وأنّ حكم الفطرة مُقدّم في مواردٍ. ثمّ تكلّم عن تطابق الأنْفُس، وكيف يحكم العقل بأن لا يطلب الإنسان ويبذل ماء وجهه لغير الله تعالى، وأنّ إذْن الله بدعائه هو إذْنٌ بالعبوديّة وموجب للشرف والكمال والعزّة، وأنّ حقيقة الإنسان هو الحاجة. ثمّ تحدّث عن دلالة الإقرارات العجيبة لأبي بكر وعُمر والمنقولة في صحيح البخاريّ ومقارنتها بأقوال أمير المؤمنين، وذكر سماحته علامة لتمييز الصواب مِنَ الخطأ.

إذْنُ اللهِ فطريٌّ وعقليٌّ وشرعيٌّ

5
  • فلا تطلب مِن زيدٍ وعمرو، وإن كان ذلك مجرّد طلبٍ، وإن كنتَ تعلم أنّه سيقضي لك حاجتك ويمنحك الملايين بمجرّد طلبك منه، فحتّى لو علمت أنّه بطلبك مِنه سيعطيك تاج السلطنة ويجعلك الآمر الناهي المطلق، وسيرفع عنك جميع مشاكلك وما تعاني منه، فمع كلّ هذا، لا تطلب منه، لأنّ هذا الطلب يُعتبر طلبًا دَنِيًّا وإن كان يستَتبع امتيازاتٍ، ولأنّك بطلبك هذا تبيع نفسك، فإن طلبت مِن أحدٍ شيئًا ستفقد ماء وجهك.

  • [قوله عليه السلام:] «فَإِنَّكَ لَنْ تَعْتَاضَ بِمَا تَبْذُلُ مِنْ نَفْسِكَ عِوَضاً»، يعني: إنّ طلبك هذا لن تحصل منه على ما يساوي ويعادل ويوازي ما ستفقده مِن نفسك. إنّ النفس تعني الشخصيّة وتعني الاستقلال وتعني الوجود؛ وهي أمور تخصّ الله وحده، فلا يمكن التنازل عن شيء منها لغير الله كائنًا مَن يكون، فإن تنازلت عن شيءٍ ستكون قد بعت نفسك بالمجّان، وهو عمل دنيّ لا يُسمح لك به وإن كان سيوصلك إلى الرغائب، لأنّك إن فعلت ستفقد نفسك قِبال ما ستحصل عليه الآن، ولا يمكن بعدها بأيّ وجه مِنَ الوجوه أن تستعيض وتسترجع ما خسرته. إنّه لأمر عجيب حقًّا.. لا تذلّ نفسك بتواضعك هذا، فهذا النوع مِنَ التواضع ليس لله بل هو تواضع في مقابل الثروة والمال، فستكون قد أذللت نفسك إن أتيت به.

  • قال أمير المؤمنين في أيّام حكومته لأحد أتباعه: اعط فلانًا خمسة أوساق مِن تمر البُغيبغة أو تمر البقيعة كما جاء في بعض النسخ – يبلغ الوسْق عددًا مِنَ الأرطال، ويُقدّر الوسْق بنصف خروار۱ تقريبًا، أي نصف حِمل حمار، فمقدار خمسة أوساق يقارب حِملَي حمارٍ ونصف مِنَ التمر – فقال الرجل: يا أمير المؤمنين، إنّ مَن تُرسل إليه هذا المقدار مِنَ التمر هو ممّن يُرجى نوافله ويُؤمَّل نائلُه؛ أي إنّه صاحب شخصيّة ومُكنة، ولا نحتمل أن يكون فقيرًا، فهو ممّن يراجعه الناس ويطلبون منه. وبعبارة أخرى: هو رجل جواد كريم يُحسن إلى الناس ويبذل لهم المال، فلو أرسلت إليه وسْقًا واحدًا بدل خمسة أوساق لكفاه. فقال له أمير المؤمنين: لا كثّر الله في المؤمنين ضَرْبَك، أُعطي أنا وتبخل أنت. ثمّ لاحظوا ما قاله أمير المؤمنين بعد ذلك، وهو شاهدنا في هذه الحكاية، قال: إذا لا أُعطه إلّا عندما يصل به العُسر والشدّة حدًّا يضطرّه للطلب منّي، سأكون قد عرّضته لأن يبذل ماء وجهه الّذي ما كان ليبذله لغير الله في سجوده٢. إنَها لعبارة رصينة حقًّا.

    1. خروار: لفظ فارسيّ معناه حِمل حمار، ويستعمل كوحدة قياسِ وزنٍ مقداره حِمل حمار، والّذي يُقدّر بثلاثمائة كيلوغرامًا. (المترجم)
    2. الكافي، ج٤، ص٢٢؛ وجاء في كتاب (ولاية الفقيه) للعلّامة السيّد محمّد الحسين الطهرانيّ، ج٤، ص۱٩۰، ما يلي: إنّ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عليه السلام بَعَثَ إلى رَجُلٍ بِخَمْسَةِ أوْسَاقٍ مِنْ تَمْرِ البُغَيْبِغَةِ – وَ في نُسْخَةٍ اخرى: البَقِيعَةِ – وَ كَانَ الرَّجُلُ مِمَّنْ يَرْجُو نَوَافِلَهُ وَ يُؤَمِّلُ نَائِلَهُ وَرَفْدَهُ؛ وَكَانَ لَا يَسْألُ عَلِيَّاً عليه السلام وَلَا غَيْرَهُ شَيْئَا. فَقَالَ رَجُلٌ لأمِيرِالمُؤْمِنِينَ عليه السلام: وَاللهِ مَا سَألَكَ فُلَانٌ؛ وَكَانَ يُجْزِيهِ مِنَ الخَمْسَةِ أوْسَاقٍ وَسْقٌ وَاحِدٌ! فَقَالَ لَهُ أمِيرُ المُؤْمِنِينَ عليه السلام: «لَا كَثَّرَ اللهُ في المُؤْمِنِينَ ضَرْبَكَ! أُعْطِي أنَا وَتَبْخَلُ أنْتَ ! لِلَّهِ أنْتَ ! إذَا أنَا لَمْ أعْطِ الّذي يَرْجُونِي إلَّا مِنْ بَعْدِ المَسْألَةِ، ثُمَّ أعْطَيْتُهُ بَعْدَ المَسْألَةِ، فَلَمْ أعْطِهِ إلَّا ثَمَنَ مَا أخَذْتُ مِنْهُ؛ وَذَلِكَ لأنِّي عَرَّضْتُهُ أنْ يَبْذُلَ لي وَجْهَهُ الذي يَعْفِرُهُ في التُّرَابِ لِرَبِّي وَرَبِّهِ عِنْدَ تَعَبُّدِهِ لَهُ».