
إذْنُ اللهِ فطريٌّ وعقليٌّ وشرعيٌّ
شرح فقرات مِن دعاء الافتتاح – الجلسة الخامسة
دارت المحاضرة حول الإذْن في قوله (اللّهُمَّ أَذِنْتَ لِي)، فوضّح سماحة العلّامة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ (قدّس الله سرّه) أنّ الأُذون ثلاثة: شرعيّ وعقليّ وفطريّ، وبسط الكلام فيها شرحًا وتفصيلًا وتمثيلًا؛ فعرّفها وذكر موارد تطابق واختلاف حكم الشرع والعقل والفطرة، وأنّ حكم الفطرة مُقدّم في مواردٍ. ثمّ تكلّم عن تطابق الأنْفُس، وكيف يحكم العقل بأن لا يطلب الإنسان ويبذل ماء وجهه لغير الله تعالى، وأنّ إذْن الله بدعائه هو إذْنٌ بالعبوديّة وموجب للشرف والكمال والعزّة، وأنّ حقيقة الإنسان هو الحاجة. ثمّ تحدّث عن دلالة الإقرارات العجيبة لأبي بكر وعُمر والمنقولة في صحيح البخاريّ ومقارنتها بأقوال أمير المؤمنين، وذكر سماحته علامة لتمييز الصواب مِنَ الخطأ.
إذْنُ اللهِ فطريٌّ وعقليٌّ وشرعيٌّ
13إنّ أيّ موجودٍ يعبده الإنسان سيكون هو إلهه، بناءً على هذا، فما أكثر الآلهة في هذه الدنيا! على كلّ إنسان أن يتفحّص لبّ وسويداء قلبه، ليرى ما هو مقصده ومقصوده في حياته، فيكون ذلك هو إلهه؛ ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلهَهُ هَواهُ وَأَضَلَّهُ اللهُ عَلى عِلْمٍ﴾۱. وجاء في وصف علامات آخر الزمان: «آلهتهم بطونهم، ونساؤهم قبلتهم، وشرفهم الدراهم والدنانير»٢، فتلك هي آلهتهم! إنّ كلّ مَن يطيعه الإنسان في قلبه سيكون هو إلهه، نعم، أيّ شيءٍ كان ذلك.
يقول أمير المؤمنين: «كَفى بي فَخْرًا أنْ تَكُونَ لي رَبًّا»، أي إنّه لفخرٌ لي أن تكون أنت ربِّي، ولا ربَّ لي سواك، وبهذا أكون قد حصلت على شيئين: أوّلهما العِزّة، وثانيهما الفخر. فقد نِلتُ العِزّة عندما أصبحتُ عبدًا لك، ونِلتُ الفخر إذ كنت أنت ربِّي. [ثمّ يقول:] «إلهي أنتَ كَما أُحِبُّ، فاجْعَلْني كَما تُحبُّ»، إنّه لكلام راقٍ جدًّا، ولو كنّا قد أعطينا هذا الكلام لصدر المتألّهين لألّف عليه كتابَ أسفارٍ، واستخرج منه مفهوم (الوحدة في الكثرة والكثرة في الوحدة)، وهو مفهوم عجِز عن شرحه وبيانه – إلى يومنا هذا – عقلاءُ العالَم مِمّن يتغذّون على مائدة هذه المدرسة.
«إلهي أنتَ كَما أُحِبُّ» فأنا أحبّك يا إلهي إلى درجة جعلتني أفقد حبّ كلّ شيء غيرك، وجعلتَ جميع المقاصد والمعبودات والأهداف والأشياء الجميلة، تفقد جمالها وتكون بلا رونقٍ، فأنت محبوبي، ولقد اشتدّت محبّتك في قلبي إلى درجة جعلتني لا أرى في نفسي محبوبًا سواك. ما دام الأمر كذلك، فاجعلني يا ربِّ كما تُحبّ أنت لا كما أحبّ أنا، وها أنا أترك إليك أيضًا أمر الكيفيّة الّتي تريد أن تجعلني عليها، فأريد أن تختار لي الإرادة الّتي تحبّها وتصوغ لي بها شخصيّتي، فأنا كالشمع بين يديك. أنا لا أطلب منك أن تجعل منِّي عالِمًا أو زاهدًا أو شفيعًا أو كذا أو كذا، بل أنا أضع نفسي كشمعة بين يديك وأقول لك: اجعلني بالشكل الّذي تريده، فاجعلني كما تحبّ أنت وتريد، لا كما أريد أنا، اجْعَلْني كَما تُحبُّ.
- سورة الجاثية (٤٥)، جزء من الآية ٢٣.
- بحار الأنوار، ج٢٢، ص ٤٥٣؛ ولمزيد مِنَ الاطّلاع حول هذا الموضوع، يمكن الرجوع إلى كتاب (معرفة المعاد) للعلّامة السيّد محمّد الحسين الطهرانيّ، ج٢، ص۱٦۷.
