
إذْنُ اللهِ فطريٌّ وعقليٌّ وشرعيٌّ
شرح فقرات مِن دعاء الافتتاح – الجلسة الخامسة
دارت المحاضرة حول الإذْن في قوله (اللّهُمَّ أَذِنْتَ لِي)، فوضّح سماحة العلّامة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ (قدّس الله سرّه) أنّ الأُذون ثلاثة: شرعيّ وعقليّ وفطريّ، وبسط الكلام فيها شرحًا وتفصيلًا وتمثيلًا؛ فعرّفها وذكر موارد تطابق واختلاف حكم الشرع والعقل والفطرة، وأنّ حكم الفطرة مُقدّم في مواردٍ. ثمّ تكلّم عن تطابق الأنْفُس، وكيف يحكم العقل بأن لا يطلب الإنسان ويبذل ماء وجهه لغير الله تعالى، وأنّ إذْن الله بدعائه هو إذْنٌ بالعبوديّة وموجب للشرف والكمال والعزّة، وأنّ حقيقة الإنسان هو الحاجة. ثمّ تحدّث عن دلالة الإقرارات العجيبة لأبي بكر وعُمر والمنقولة في صحيح البخاريّ ومقارنتها بأقوال أمير المؤمنين، وذكر سماحته علامة لتمييز الصواب مِنَ الخطأ.
إذْنُ اللهِ فطريٌّ وعقليٌّ وشرعيٌّ
11علامة تمييز الفعل الصائب مِنَ الخاطئ
هنالك علامة لِمَن يكون على الصراط المستقيم، فمَن قام بعملٍ في ظرفٍ معيّنٍ وهو لا يدري إن كان عملًا صحيحًا أم لا، يمكنه أن يعرف ذلك عندما تتبدّل الظروف الّتي كان يعيشها، فإن ندم على ما فعله فهذا يدلّ على أنّ ذاك العمل لم يكن مبنيًّا على الإدراك واليقين، أمّا إن بقي على موقفه، مع تبدّل الظروف، فهذا يدلّ على أنّ عمله كان عن إدراك ويقين.
إنّ مَن تكون بيده الحكومة والسلطة والأمر والنهي، يفعل ما يحلو له، ولكن ما إن يفقد ذلك المركز تراه يندم على جميع أفعاله ويتوب عنها. أمّا بالنسبة إلى الإمام، فليس الأمر كذلك، لأنّه لا يفعل ما يستوجب التوبة، بل إنّ جميع أعماله صحيحة، سواء أمضى أيّامه في السجن أو في غيره، وسواء كان آمرًا أو مأمورًا، فهو لا يعرف الندم.
لم يندم أمير المؤمنين على جلوسه في البيت مدّة خمسة وعشرين عامًا، ولم يندم على أيّ شيء مطلقًا، وذلك لأنّ عمله مبنيٌّ على اليقين والنور، فهو على عكس مَن يحتلّ مكانةً في ظرفٍ معينٍ فيغلبه هوى نفسه في بعض الأفعال، ثمّ بعد أن يفقد تلك المكانة تراه يراجع أعماله ويقول: يا ويلتاه، ليتني لم أفعل ما فعلت.
لا طريق للندم والحسرة إلى أفعال النبيّ والإمام، لأنّ عملهم مبنيٌّ على اليقين، سواء كان يجلس على التراب أم يعيش في المجرّات أو كان في السماء السابعة، فعملهم مبنيٌّ على اليقين. وهكذا الحال في فِعل وقول كلّ مَن يكون على يقين، وهكذا حال حُجج الله، فهم أفراد قد حفظوا مقام العبوديّة في أنفسهم، سواء كانوا يأكلون خبز الشعير أو كانوا في السجن أو كانوا حبيسي بيوتهم أم كانوا أصحاب سلطة وبيدهم زمام الحكم، قد حُفِظَت العبوديّة في ذواتهم، فهم يلاقون الله دائمًا بالعبوديّة، فلا يمكنهم ولو لبرهة أن يغفلوا عن العبوديّة ويتلبّسوا بالربوبيّة فينجرّون إلى التفرعن ثمّ يُصابون بالمسكنة والذلّة والندامة. إنّ هذا الموضوع غايةٌ في الأهميّة.
عزّة الإنسان هي بعبوديّته لله
