
الإذن الإلهيّ تكوينيّ وتشريعيّ
شرح فقرات مِن دعاء الافتتاح – الجلسة الرابعة
دارت المحاضرة حول فقرة «اللّهُمَّ أَذِنْتَ لِي فِي دُعائِكَ»؛ فقال سماحة العلّامة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ أنّ هذه الفقرة تدلّ على شدّة رحمة الله بعباده بأن أَذِن لهم بدعائه، ولولا إذن الله هذا لما استطعنا إليه سبيلًا. وفنّد الإذن على نحوين؛ إذن تشريعيّ، ويمكننا اختصار مطالبه النفيسة بالعنوان التالي: دين الإسلام دينُ الغاية في السماحة والسهولة والرحابة. وإذن تكوينيّ، وتتلخّص مطالبه السامية في أنّ الحاجة هي حقيقة كلّ المخلوق، فلولا أن أَذِن الله بالنِّعَم لتقطّعت بنا السُبُل.
الإذن الإلهيّ تكوينيّ وتشريعيّ
5على سبيل المثال: عندما عاد النبيّ موسى مِن جبل طور، كان قومه قد بدؤوا بعبادة العجل، فلم يأمرهم اللهُ حينها بالتوجّه إلى بيت المقدس والتضرّع بالدعاء حتّى تُقبل توبتهم، بل جعل كفّارة ذنبهم أن يُشهروا سيوفهم بوجه بعضهم البعض ويُوقعوا ببعضهم ويقتلوا أنفسهم؛ فما دمتم قد ارتكبتم ذلك الذنب، فلا بدّ أن تقتلوا أنفسَكم وتُزهقوا أرواحَكم. نَعم، هذا ما أمرهم الله به، فلا يمكن أن تُقبل توبتهم ما لم يقتلوا أنفسهم؛ فخرج سبعون ألفًا منهم إلى صحراء واسعة، وأوقع بعضهم السيف ببعض، هذا يقتل ذاك، وذاك يقتل هذا، وتمّ ذلك في جوٍّ مِنَ الضجيج والبكاء والتضرّع والعويل، حتّى قُبلت توبتهم ورُفع عنهم هذا الأمر؛ جاء في هذه الآية مِن سورة البقرة: ﴿فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾۱و٢
أمّا نحن، فلم يكلّفنا الله بمثل ذلك التكليف، فلم يقل: إن ارتكبتم الذنب الكذائيّ، فعليكم أن تقتلوا أنفسكم. وذلك ببركة النفس النفيسة لرسول الله الّذي خفّف عن أمّته المشاقّ.
طِبق شريعة النبيّ فإنّ فريضة الحجّ فريضة سهلة ويسيرة
عندما حجّ الناس مع رسول الله حِجّة الوداع، كان كلّ مَن يأتي النبيّ ويقول له: لقد أخطأت في موردِ كذا وكذا، كان النبيّ يقول له: امضِ ولا حرج٣. إنّ فقهاءنا يرتكبون الكثير مِنَ الأخطاء في الوقت الحاضر، ويأمرون بأشياء خاطئة مِثل كيفيّة الوقوف في عرفات، حيث يقولون بوجوب الوقوف بالكيفيّة الكذائيّة، والحال أنّه لم يكن هناك وجود لمثل هذا الشيء في السابق، بل كان الوجوب يتمثّل في الحضور في عرفات مِنَ الظهر حتّى غروب الشمس. وفي زمن النبيّ لم يتمكّن بعض المسلمين مِنَ الوصول إلى عرفات ظهرًا، فوصلوها قبل غروب يوم الوقوف بساعة، فقال لهم النبيّ: لا حرج. والبعض لم يتمكّن مِنَ الوصول قبل الغروب، فوصلوها ليلًا وأدركوا المشعر فقط، وعندما سألوا النبيّ عن ذلك، قال النبيّ: لا حرج.
فلولا قول رسول الله (لا حرج) لكان التكليف يقتضي وجوب الوصول إلى عرفات أوّل الظهر، [وعليه] فإن تأخّر أحدٌ عن هذا الوقت ولو بخمس دقائق بطُل حجّه، وتوجب عليه إعادة الحجّ مرّة أخرى، فحّتى لو لم يُدرك الوقوف الاختياريّ أو الاضطراريّ في عرفة ووصل المشعر ليلًا، لقلنا ببطلان حجّه. وهكذا الأمر بالنسبة إلى الكثير الكثير مِنَ المسائل المتعلّقة بأبواب الصلاة والزكاة والحجّ والصيام، والّتي كان رسول الله يقول بشأنها دائمًا: لا حرج، لا حرج. فلو كان لله علينا حرج في شأنها، مَن كان سيتمكّن مِنَ السير والحركة.
- سورة البقرة (٢)، جزء مِنَ الآية ٥٤.
- جاء في تفسير الميزان، ج۱، ص ۱٩۰: وفي الدر المنثور: عن علِيّ عليه السلام: في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية، قال: قالوا لموسى: ما توبتنا؟ قال: يقتل بعضكم بعضا، فأخذوا السكاكين، فجعل الرجل يقتل أخاه وأباه وابنه، والله لا يبالي مَن قُتل، حتّى قُتل منهم سبعون ألفًا، فأوحى الله إلى موسى: مُرهم فليرفعوا أيديهم وقد غفر لمَن قتل وتِيب على مَن بقي.
وفي تفسير القمي: قال عليه السلام: إنّ موسى لمّا خرج إلى الميقات ورجع إلى قومه وقد عبدوا العجل قال لهم موسى: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾. فقالوا له: كيف نقتل أنفسنا. فقال لهم موسى: أغدوا كلّ واحد منكم إلى بيت المقدس ومعه سكين أو حديدة أو سيف فإذا صعدت أنا منبر بني إسرائيل فكونوا أنتم متلثّمين لا يعرف أحد صاحبه، فاقتلوا بعضكم بعضًا. فاجتمعوا سبعين ألف رجل ممّن كان عبدوا العجل إلى بيت المقدس، فلمّا صلّى بهم موسى وصعد المنبر أقبل بعضهم يقتل بعضًا حتّى نزل جبرائيل فقال: قل لهم يا موسى: ارفعوا القتل، فقد تاب الله لكم. فقتل منهم عشرة آلاف وأنزل الله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. - لمزيد مِنَ الاطّلاع حول هذا الموضوع، راجع كتاب (معرفة الإمام) للعلّامة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ، ج٦، ص٢۱۸.
