
الإذن الإلهيّ تكوينيّ وتشريعيّ
شرح فقرات مِن دعاء الافتتاح – الجلسة الرابعة
دارت المحاضرة حول فقرة «اللّهُمَّ أَذِنْتَ لِي فِي دُعائِكَ»؛ فقال سماحة العلّامة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ أنّ هذه الفقرة تدلّ على شدّة رحمة الله بعباده بأن أَذِن لهم بدعائه، ولولا إذن الله هذا لما استطعنا إليه سبيلًا. وفنّد الإذن على نحوين؛ إذن تشريعيّ، ويمكننا اختصار مطالبه النفيسة بالعنوان التالي: دين الإسلام دينُ الغاية في السماحة والسهولة والرحابة. وإذن تكوينيّ، وتتلخّص مطالبه السامية في أنّ الحاجة هي حقيقة كلّ المخلوق، فلولا أن أَذِن الله بالنِّعَم لتقطّعت بنا السُبُل.
الإذن الإلهيّ تكوينيّ وتشريعيّ
3إنّك خلقتنا مِن أحطِّ الأشياء يا ربِّ، ألا وهو التراب، أمّا أنت، فأنت ربّ الأرباب، وأنت أعلى مِن جميع الأرباب، وربوبيّتك أعظم مِن ربوبيّة كافّة الأرباب. بناءً على كلّ هذا، فإن لم تأذن لنا بدعائك، لكان ذلك عين الواقع، والإذن الّذي دعيناك وسألناك بموجبه هو ليس حقًّا مِن حقوقنا، كلّا، ليس لنا مثل هذا الحقّ أبدًا. ولكن رحمتك ولطفك هما اللذان دعاك لأن تمنحنا مِثل هذا الإذن. ولهذا الإذن مرحلتان: مرحلة تكوينيّة، ومرحلة تشريعيّة. وقد سمحتَ لنا أن نناديك ونقول (يا الله) في أيّ وقت شئنا، إذ إنّك لم تحدّد لذلك زمانًا أو مكانًا معيّنين، ولا كيفيّةً أو وضعيّةً خاصّتين.
يستطيع الإنسان أن يخاطب الله في منتصف الليل أو في وضح النهار، فيقول (يا الله)، فلم يحدّد الله لذلك وقتًا معيّنًا. ويستطيع الإنسان أن ينادي الله وهو في حال الحركة أو السكون، فيقول (يا الله). ويستطيع أن يقول (يا الله) سواء كان في مشهد أو طهران أو مكّة أو في أفغانستان، وسواء كان في الطائرة أو على ظهر سفينة، في المشرق كان أو في المغرب. نعم، يستطيع أن يخاطب الله قائلًا (يا الله).
إنّه لأمر عجيب أن يأذن الله لنا بدعائه في أيّ مكان كنّا فيه، وأن يسمعنا في جميع الأحوال، عجبًا لمثل هذا الرادار أو التلغراف أو اللاسلكيّ، فهو يسمعنا فور أن نقول: يا الله، في أيّ وقت حصل وفي أيّ زمان كان، بل ويجيب نداءنا بالإيجاب. على أنّ هذا الأمر ليس خاصًّا بنا، بل هو يشمل جميع الناس، وليس مختصًّا بأبناء الجنس البشريّ، بل يشمل جميع الحيوانات وكافّة أفراد الجنّ والإنس والأسماك في أعماق البحار والطيور في جوّ السماء، إذ جميع تلك المخلوقات متصلّة بالله في أصل سرّها ووجودها، وكلٌّ يطلب مِنَ الله في حدود إنيّته وماهيّته، والله يفيض عليها.
الإذن الموهوب في مقام التشريع
سرّ المقادير في الصلوات الواجبة والمستحبّة
فالإذن يكون في كلٍّ مِن مرحلتَي التشريع والتكوين: أمّا في مرحلة التشريع، فقد أَذِن الله لنا أن نناديه دائمًا ونقول: يا الله. وأَذِن لنا أن نصلّي في أيّ وقتٍ شئنا، فليس للصلاة [عدا الواجب منها] زمان خاصّ.
