
الإذن الإلهيّ تكوينيّ وتشريعيّ
شرح فقرات مِن دعاء الافتتاح – الجلسة الرابعة
دارت المحاضرة حول فقرة «اللّهُمَّ أَذِنْتَ لِي فِي دُعائِكَ»؛ فقال سماحة العلّامة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ أنّ هذه الفقرة تدلّ على شدّة رحمة الله بعباده بأن أَذِن لهم بدعائه، ولولا إذن الله هذا لما استطعنا إليه سبيلًا. وفنّد الإذن على نحوين؛ إذن تشريعيّ، ويمكننا اختصار مطالبه النفيسة بالعنوان التالي: دين الإسلام دينُ الغاية في السماحة والسهولة والرحابة. وإذن تكوينيّ، وتتلخّص مطالبه السامية في أنّ الحاجة هي حقيقة كلّ المخلوق، فلولا أن أَذِن الله بالنِّعَم لتقطّعت بنا السُبُل.
الإذن الإلهيّ تكوينيّ وتشريعيّ
2أعوذ بالله مِنَ الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على محمّدٍ وآله الطاهرين
ولعنة الله على أعدائهم أجمعين مِنَ الآن إلى قيامِ يوم الدين
«وَأَيْقَنْتُ أَنَّكَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فِي مَوْضِعِ العَفْوِ وَالرَّحْمَةِ، وَأَشَدُّ المُعاقِبِينَ فِي مَوْضِعِ النّكالِ وَالنَّقِمَةِ، وَأَعْظَمُ المُتَجَبِّرِينَ فِي مَوْضِعِ الكِبْرِياءِ وَالعَظَمَةِ»۱، أي يا إلهي، إنّما وقفتُ بين يديك وذكرتك بهذه الصفات وحمدتك وأَثنيت عليك بصفاتك الجماليّة والجلاليّة، لكي أطلب منك بعض الطلبات؛ «اللّهُمَّ أَذِنْتَ لِي فِي دُعائِكَ وَمَسْأَلَتِكَ، فأَسْمَعْ يا سَمِيعُ مِدْحَتِي، وَأَجِبْ يا رَحِيمُ دَعْوَتِي وَأَقِلْ يا غَفُورُ عَثْرَتِي، فَكَمْ يا إِلهِي مِنْ كُرْبَةٍ قَدْ فَرَّجْتَها، وَهُمُومٍ قَدْ كَشَفْتَها، وَعَثْرَةٍ قَدْ أَقَلْتَها، وَرَحْمَةٍ قَدْ نَشَرْتَها، وَحَلْقَةِ بَلاءٍ قَدْ فَكَكْتَها»٢، أي ما دمت قد أذنت لي في دعائك ومسألتك يا ربِّ، فاسمع يا سميع مدحتي، وأجب يا رحيم دعوتي الّتي أدعوك بها، وتجاوز يا غفورٌ عن ذنوبي وزلّاتي، تلك الذنوب الّتي ارتكبتها، والزلّات الّتي صدرت منّي، والخَطَرات الّتي خَطَرَت على بالي. فقد شَمَلْتني برحمتك الرحيميّة، وخلّصتَني ممّا أحاط بي مِن هموم وغموم، وبلاء محيط بي مِن كلّ جانب، فتجاوزتَ عن جميع ذنوبي، ونجّيتني عن جميع تلك الزلّات والمخاطر، وأخذت بيدي في تلك المنعطفات والمواقف الخطرة. على أنّ كلّ ذلك ليس بالأمر الجديد، بل هو معهود منك دائمًا يا ربِّ؛ فلمّا كانت هذه طريقتك في التعامل مع عبادك، فها أنا أتوجه إليك بِطَلِبَتِي هذه أيضًا، وأنا أرجو أن تُجيبني فيها وأن تقبل منِّي مدحي وأن تستجيب لي ما أنا بصدد أن أطلبه منك.
لولا إذْن الله لما استطعنا إليه سبيلًا
«اللّهُمَّ أَذِنْتَ لِي فِي دُعائِكَ وَمَسْأَلَتِكَ»، فلو لم يعطني الله الإذن في دعائه ومسألته، فما الّذي كان سيحصل؟ لا شكّ أنّ الإنسان حينئذٍ لن يكون قادرًا على الدعاء، فهو عبدٌ والله مولى، [وبِيَد] المولى أن لا يعطي عبدَه هذا الإذن، [وحينئذ] لن يقول له: تعال واعرض على جناب قدسي حاجتك، بل سيقول: سأتركك وأنانيّتك ونفسك، ولن أسمح لك بالوصول إليّ، فأنت عبدٌ وأنا مولى، فأين العبد مِنَ المولى، وأين التراب مِنَ الشمس، وأين التراب وربّ الأرباب٣؟!
- هذه فقرات مِن دعاء الافتتاح مورد بحث المحاضِر (قدّس الله سرّه). (م)
- هذه فقرات مِن دعاء الافتتاح مورد البحث والبيان. (م)
- عبارة مشهورة وردت على ألسنة أهل المعرفة، راجع كتاب (معرفة الله) للعلّامة السيّد محمّد حسين الطهرانيّ، ج۱، ص۷۰.
