
الإذن الإلهيّ تكوينيّ وتشريعيّ
شرح فقرات مِن دعاء الافتتاح – الجلسة الرابعة
دارت المحاضرة حول فقرة «اللّهُمَّ أَذِنْتَ لِي فِي دُعائِكَ»؛ فقال سماحة العلّامة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ أنّ هذه الفقرة تدلّ على شدّة رحمة الله بعباده بأن أَذِن لهم بدعائه، ولولا إذن الله هذا لما استطعنا إليه سبيلًا. وفنّد الإذن على نحوين؛ إذن تشريعيّ، ويمكننا اختصار مطالبه النفيسة بالعنوان التالي: دين الإسلام دينُ الغاية في السماحة والسهولة والرحابة. وإذن تكوينيّ، وتتلخّص مطالبه السامية في أنّ الحاجة هي حقيقة كلّ المخلوق، فلولا أن أَذِن الله بالنِّعَم لتقطّعت بنا السُبُل.
الإذن الإلهيّ تكوينيّ وتشريعيّ
10كان أصحاب النبيّ يقرؤون السور الطوال في صلواتهم، كسورة مريم وسورة الكهف وسورة البقرة، كما كانوا يختمون القرآن في صلاتهم في ليالي شهر رمضان۱، فليس مِنَ الصحيح أن تقتصر قراءة القرآن في غير أوقات الصلاة، بل على المسلم أن يقرأ القرآن في الصلاة أيضًا، إنّ قراءة القرآن جُعِلت لتكون في الصلاة أساسًا، فعندما كان المسلم في زمن النبيّ يقول لصاحبه: اِقرأ القرآن، كان يعني في قوله هذا: قم إلى الصلاة. فقراءة القرآن تعني الصلاة.
عندما يصلّي الإنسان، فهو يحمد الله ويسلّم عليه في كلّ ركعة، ويتمثّل ذلك بقراءته لسورة الحمد وسُوَرٍ أخرى بعدها، ثمّ يدعو في سجوده مرّتين، وبعدها يقوم ليحمد الله ويسلّم عليه بقراءة سورة الفاتحة مرّة أخرى – الّتي نزلت على النبيّ مرّتين ولذلك سُمّيت بالسبع المثاني٢، ولا بدّ مِن قراءة سورة الفاتحة في الصلاة إذ «لا صلاة إلّا بفاتحة الكتاب»٣ – وبقراءة ما يشاء بعدها مِن القرآن بمقدار جزء أو جزئين وكلّ ما يخطر على قلبه مِن آيات قرآنيّة.
قال الله تعالى في الآية المباركة: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾٤، أي أقِم الصلاة ابتداءً مِن أوّل الظهر إلى منتصف الليل، الليل يعني حلول الظلام، وهذا التعبير كناية عن إقامة الصلوات: صلاة الظهر (وهي عند زوال الشمس)، وصلاة العصر والمغرب والعشاء، ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْر﴾، أي صلاة الصبح؛ نلاحظ هنا أنّ صلاة الصبح عُبِّر عنها في القرآن بـ ﴿قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾، أي القرآن الّذي يُقرأ في الفجر، وهذه القراءة يشهد عليها كلٌّ مِن ملائكة الليل الّذين يهمّون بالصعود إلى الأعلى وملائكة النهار الّذين يريدون النزول إلى الأرض، فهاتان المجموعتان مِنَ الملائكة ترافقان المؤمن في قراءته لقرآن الفجر عند أذان الصبح٥. إذن فقد جاءت الصلاة في القرآن باسم (قرآن الفجر).
نصيبك مِنَ القرآن يكون بمقدار ما تحفظ منه
لاحظوا كم نبتعد عن القافلة عندما نقتصر في صلواتنا على قراءة: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، ونترك باقي القرآن، في الوقت الّذي علينا أن نقرأ القرآن في صلواتنا، وذلك بقراءة سُوَرٍ مختلفة منه؛ قال الإمام الرضا عليه السلام: «أُمِر النّاس بالقراءةِ في الصلاة لئَلّا يكونَ القرآنُ مهجورًا»٦، هذا يعني أنّه على كلّ واحدٍ منّا أن يحفظ القرآن عن ظَهر قلب. فلو رُفعت المصاحف عن وجه الأرض الآن، فكم سيكون لدينا مِنَ القرآن [محفوظًا]؟ لن يكون لدينا شيءٌ، لأنّ قراءتنا للقرآن لا تتعدّى قراءة سورة الحمد و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وأقصاه أن نضيف إليها ﴿إِنَّا أَنْزَلْناهُ﴾۷ وبعض السور الأخرى لا غير. المقصود مِن قولنا (كم سيبقى لدينا مِنَ القرآن) ليس القرآن المطبوع، بل [المقصود هو] القرآن المحفوظ في الصدور: ﴿بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ في صُدُورِ الَّذينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾۸.
- المغني، ج۱، ص۸۰٢: قال الفضل بن زياد: سألت أبا عبد الله فقلت: اختم القرآن، اجعله في الوتر أو في التراويح؟ قال «اجعله في التراويح».
- عيون أخبار الرضا عليه السلام، ج۱، ص٢۷۰؛ تهذيب الأحكام، ج٢، ص٢۸٩.
- عوالي اللئالي، ج۱، ص ۱٩٦.
- سورة الإسراء (۱۷)، الآية ۷۸.
- الكافي، ج٣، ص٢۸٣: عن إسحاق بن عمار قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أخبرني بأفضل المواقيت في صلاة الفجر؟ فقال: «مع طلوع الفجر إنّ الله عزّ وجلّ يقول: ﴿وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ يعني صلاة الفجر تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، فإذا صلّى العبد الصبح مع طلوع الفجر أثبتت له مرّتين، أثبتها ملائكة الليل وملائكة النهار».
- مَن لا يحضره الفقيه، ج۱، ص٣۱۰.
- إشارة إلى سورة القدر.
- سورة العنكبوت (٢٩)، جزء مِنَ الآية ٤٩.
