
وحدة الصفات والأسماء الإلهيّة
شرح فقرات مِن دعاء الافتتاح – الجلسة الثالثة
بَيّن سماحة العلّامة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ (قدَّس الله نفسه الزكيّة) كيف أنّ أصلَ ومنشأَ الصفات والأسماء الإلهيّة – مع تعدّد ظهوراتها – واحدٌ. ثمّ عرض قصّة دخول الإسلام إلى مدينة الطائف. وتضمّن ذلك كلّه بيان لجملة مِن الآيات القرآنيّة وإشارات لطيفة حول؛ قاعدة الواحد، وتجلّيات أمير المؤمنين، وعَبدة الأصنام، وعناد الوليد بن المغيرة، وإسلام عروة بن مسعود الثقفيّ، وشهادة مؤمن آل ياسين، ودليل وجود البرزخ، وشمائل علِيّ الأكبر، وقصّة إسلام ثلاثة عشر نفرًا مِنَ الطائف.
وحدة الصفات والأسماء الإلهيّة
4أمير المؤمنين هو تجلّ للكبرياء والرحمة الإلهيّين
وهكذا يكون الحال بالنسبة لِمَن يندكّ في ذات الله ويصل إلى مقام الولاية الكلّية الإلهيّة. نحن عندما نسمع أنّ أمير المؤمنين هو قسيم الجنّة والنار۱، نتخيّل أنّ الابتسامة واللطافة والمحبّة ملازمة له في جميع الأحوال، [والأمر ليس كذلك] بل هو لطيف في موضع العفو والرحمة فقط، أمّا في موضع النقمة فهو ليس أرحم الراحمين، بل يُمسك بسيفه ويكون كما قال رسول الله عنه: «يقصَعُكم بالسيف»٢، أي إنّه يأخذ شجعانكم بالسيف ويسحقهم كما يُسحق النبات اليابس في فم [الدابّة]؛ فعندما يتجلّى مقام عظمة وكبرياء الله، ويقع السيف في يد علِيٍّ لن يكون هناك مكانٌ للعفو والرحمة.
إنّ أمير المؤمنين في موضع الرحمة يتواضع ويُظهر اللِّين والعطف بشكل لا يمكن أن يُتصوّر ما يفوقه، فهو عندما كان يمشي في أزقّة الكوفة ويقع بصره على مسكين يجلس جانبًا أو على يتيمٍ أو امرأةٍ عجوزٍ تحمل وعاء الماء على كتفها، كانت تنهمر دموعه وتسيل على خدّيه تلقائيًّا، فتراه يجلس مع الأيتام والفقراء ويأكل معهم ويلاطفهم مُبتسمًا مسرورًا. أمّا في الموقف الّذي يرى فيه شخصًا يريد أن يظلم هؤلاء، أو شخصًا مُشركًا بالله أو عاصيًا وظالمًا أو شخصًا يستحقّ الثأر، أو في موقفٍ سيضيع فيه الدين، فلن يكون حينئذٍ أرحم الراحمين ولن يتجنّب تلك المواضع متعلّلًا بكيت وكيت، كلّا، لا يمكن أن يكون الأمر بهذا الشكل.٣
قصّة (رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)
عندما حاصر رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الطائف، وجد أنّ أيّام الحجّ قد اقتربت، فكان مجبورًا على ترك الحرب لأداء مناسك الحجّ. وكان ذلك قد حصل بعد شهرين مِن فتح مكّة – إذ حصار الطائف كان بعد فتح مكّة – وبناءً على تعاليم الدين الإسلاميّ كان على المسلمين أن يؤدُّوا مناسك الحجّ في شهر ذي الحجّة، ولكي يمنعوا المشركين مِنَ الطوافّ حول الكعبة عُراة، كما كانوا يفعلون مِن قَبل، إذ كان المشركون برجالهم ونسائهم يطوفون حول الكعبة عُراة، بحجّة عدم جواز الطوافّ بلباس ارتكبوا فيه معصية، وغير ذلك مِنَ الأسباب٤.
- الأمالي للشيخ الصدوق، ص ۱۰۱، ولمزيد مِنَ الاطلاع حول هذا الموضوع راجع كتاب (معرفة الإمام) للعلّامة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ، ج۱، ص۱٦٣.
- جاء في كتاب (معرفة الإمام) للسيّد العلّامة محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ، ج۱٣، ص ٣۰٩: روى الشيخ الطوسيّ في أماليه [ص ٥۷٩] بسنده المتّصل عن أبي ذرّ الغفاريّ أنّه قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله لوفد أهل الطائف عندما دخلوا عليه: «يَا أهْلَ الطَّائِفِ! لَتُقِيمُنَّ الصَّلَاةَ وَلَتُؤْتُنَّ الزَّكَاةَ أوْ لأبْعَثَنَّ عَلَيْكُمْ رَجُلًا كَنَفْسِي يُحِبُّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللهُ وَرَسُولُهُ يَقْصَعُكُمْ بِالسَّيْفِ»! فَتَطَاوَلَ لَهَا أصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صلّى اللهُ عَلَيْهِ وآلِهِ، فَأخَذَ بِيَدِ عَلِيّ فَأشَالَهَا، ثُمَّ قَالَ: هُوَ هَذَا، فَقَالَ أبُوبَكْرٍ وَعُمَرُ: مَا رَأيْنَا كَاليَوْمِ في الفَضْلِ قَط.
- لمزيد مِنَ الاطّلاع حول اجتماع الصفات المتضادّة في أمير المؤمنين، يمكن الرجوع إلى كتاب (معرفة الإمام) للعلّامة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ، ج٢، ص٣٢.
- الدر المنثور، ج٣، ص۷۸.
