
مواضع الرَّحمة ومواضع النَّقمة
شرح فقرات مِن دعاء الافتتاح – الجلسة الثانية
في المحاضرة الثانية مِن شرح دعاء الافتتاح عرض سماحة العلّامة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ (قَدّس الله سرّه) باقةً زاهرة مترشّحة مِن عَلياءٍ سَماهُ، تمحورت حول مواضع العفو ومواضع النقمة؛ وتشخيص مواضعهما – وهما حالتان مترشّحتان مِن صفتَي الجمال والجلال – يتوقّف على حسابات دقيق للغاية وواقعيّة جدًّا، وهذه الدقّة وتلك الواقعيّة هما ما نسمّيهما بالعدالة والدِّين الإسلاميّ. ثمّ وضّح سماحته كيف أنّ العدالة تُعرف بالنبيّ لا العكس، وكيف أنّ الإسلام دينٌ واقعيّ يُرِي الأمور الواقعيّة، في مقابل الجهل المُبتلى به الناس، والّذي يبنون عليه أمور حياتهم، وفي السياق نفسه بيّن سماحته المعنى الأعمّ للأصنام وعبادتها.
مواضع الرَّحمة ومواضع النَّقمة
14لم يكن نهج أمير المؤمنين ولا نهج القرآن مبنيًّا على هذا الأساس، بل يُطلِق القرآن وصف الجاهليّة على أقبح الذنوب، تلك الجاهليّة الّتي تعني: مجموعة السُّنن والعادات الّتي يعمل الناس بموجبها جهلًا وتعصّبًا. لقد كان لمشركي قريش قبل الإسلام عادات وتقاليد مبنيّة على الجهل، فكانوا يعبدون الأصنام، ويصفّرون في طوافهم حول الكعبة، ويطوفون حولها عُراة۱،٢ وغير ذلك مِن سُننٍ وآداب جاهليّة، فجاء القرآن ليقول لهم: إنّ هذه جاهليّةٌ، وما دمتم قد أسلمتم، فعليكم أن تتركوا العمل بالسُّنن الجاهليّة، فتلك السُّنن تعود إلى الجهل، أمّا الآن فقد أصبح العالَم [بالإسلام] عالَم نورٍ.
لذا وصف الإسلامُ تلك السُّنن بأقبح تعبير، وذلك عندما سمّاها سنن الجاهليّة٣. فعندما تصف الروايات إحدى السُّنن بأنّها سنّةٌ جاهليّة، فلا بدّ مِن ترك ممارستها، وذلك لأنّ أقبح عملٍ يؤتى به ضدّ الإسلام هو العمل بسنّةٍ جاهليّة. [قال تعالى:] ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذينَ كَفَرُوا في قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ﴾٤، أمّا فيما يتعلّق بالمسلمين [فقد قال تعالى:] ﴿فَأَنْزَلَ اللهُ سَكينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنينَ﴾٥، وذلك في مقابل تلك السُّنن الجاهليّة
عليكم أن تدقّقوا في هذا الأمر جيّدًا وهو: عندما طلبنا رحمة الله وعفوه، كان الله في المقابل أرحم الراحمين معنا، ومنحنا العزّة والعظمة والشوكة، فإن أهمل الناس ما حصلوا عليه، وعادوا إلى ممارسة تلك السُّنن الجاهليّة مِن جديد: كإحياء النيروز، والاحتفال، وتحضير المائدة السباعيّة، وتحضير الـ (سمنو)، و[التقيّد بعادات] اليوم الثالث عشر٦، وما إلى ذلك، وأماتوا عيدَي الفطر والأضحى بحيث لا يبقى لهما وجود إلّا في المدارس الدينيّة، ولا يبقى لهما سوى اسم مدفون في زوايا التأريخ، فسوف يستبدل الله حينئذٍ «أَيْقَنْتُ أَنَّكَ أَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فِي مَوْضِعِ العَفْوِ وَالرَّحْمَةِ» بـ «وَأَشَدُّ المُعاقِبِينَ فِي مَوْضِعِ النّكالِ وَالنَّقِمَةِ»، [وذلك لأنّ:] ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ﴾۷، أي إن قمنا بتغيير ما في أنفسنا سوف يغيّر الله أمورنا، وإلّا فلا؛ إن أصلحنا ما في أنفسنا، فسيُنزل الله نِعَمه ورحمته علينا مِن فوقنا ومِن تحت أرجلنا، وإن لم نفعل وقمنا بعكس ذلك، فسيُنزل الله نقمته وغضبه علينا، إذ لله يدان، وكلتا يديه يمين؛ فله يد الجمال حيث يكون «أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فِي مَوْضِعِ العَفْوِ وَالرَّحْمَةِ»، وله يد الجلال المتمثّلة في «أَشَدُّ المُعاقِبِينَ فِي مَوْضِعِ النِّكالِ وَالنَّقِمَةِ».
- قال تعالى في سورة الأنفال (۸)، الآية ٣٥: ﴿وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً وَتَصْدِيَةً﴾.
- الدر المنثور، ج٣، ص۱۸٣.
- لمزيد مِنَ الاطّلاع على السُّنن الجاهليّة، راجع كتاب (معرفة الإمام) للسيّد العلّامة محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ، ج٣، ص٢٣.
- سورة الفتح (٤۸)، جزء مِنَ الآية ٢٦.
- جزء مِنَ الآية نفسها.
- مِن عادات الإيرانيّين أن يُعدّوا مائدة في اليوم الأوّل مِن عيدهم النيروز، تحتوي هذه المائدة على سبعة أشياء يبدأ اسمها بحرف السين ومنها الـ (سمنو): وهي نوع حلوى يتمّ إعدادها مِنَ القمح. ومِن عاداتهم ترك منازلهم والخروج إلى العراء في اليوم الثالث عشر مِنَ الشهر الأوّل لسنتهم الشمسيّة. [المترجم]
- سورة الرعد (۱٣)، جزء مِنَ الآية ۱۱.
