
الجمال والجلال الإلهيّين هما أساس النظام التكوينيّ والتشريعيّ
شرح فقرات مِن دعاء الافتتاح – الجلسة الأولي
شرَح سماحة العلّامة السيّد محمّد الحسين الطهرانيّ (قدّس الله نفسه) الفقرات الخمس الأُوَل مِن دعاء الافتتاح في هذه المحاضرة؛ فبيّن أنّ كلّ ما نقدر عليه وما نحن فيه هو مَنٌّ مِنَ الله تعالى وتسديدٌ، وأنّ أساس العالَم قائمٌ على صفتَي الجمال والجلال الإلهيّين؛ فمِنَ الجمال تترشّح الرحمة، والّتي لها صورتان تتجلّى بهما. والجلال يتمثّل بالنكال والعقاب. فمَن أحسن أو أخطأ بدون عمدٍ ولا إصرارٍ فله العفو، ومَن أساء عن عمد وأصرّ فله العقاب. وفوائد ذلك لا تخفى على عاقل، فمَن صقل نفسه لله تعالى أفلح، وإلّا كان مِنَ الخاسرين.
الجمال والجلال الإلهيّين هما أساس النظام التكوينيّ والتشريعيّ
7وهكذا أبعدوا النبيّ مِن مكّة، فذهب إلى الطائف، وعند عودته منها أخرجوه مِن مكّة، فهاجر بعدها إلى المدينة. ثمّ جمع المشركون الجيوش بهدف قتل النبيّ وجميع مَن معه مِنَ المسلمين. فإن راجع الإنسان ضميره، أفلا يحتّم عليه وجوب الدفاع عن النفس؟! فإن لم يحثّه ضميره على هذا فلا يُعدُّ إنسان! إذ ما الفرق حينئذ بين الإنسان والجماد؟! بناءً على هذا، فإنّ جميع الحروب الّتي خاضها النبيّ كانت حروبًا دفاعيّةً في المقام الأوّل، نعم لقد كانت مِن أجل الدفاع عن العِرض والكرامة وعن إقامة الفرائض، وكان لا بدّ – والحال هذه – أن يقمع المعتدي، ولا مناص مِن ذلك، ولهذا جاء في القرآن المجيد: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثيرٌ﴾۱، أي: كم مِن نبيٍّ قاتل في ركابه عددٌ كبير مِن أصحابه الّذين تربّوا على يديه، مِن أولئك المشتاقين والعشّاق. نعم، لقد قاتل جميع الأنبياء بالسيف، فحمْل السيف يبعث الحياة في نفس الإنسان، وذلك في عين أنّ الله أرحم الراحمين. ونحن يجب أن نراعي جانبَي الغضب والرحمة في حياتنا الفرديّة والاجتماعيّة، والعالَم مبنيّ على هذين المبدأين.
وجوب رعاية جنبتَي الرحمة والشدّة في حياتنا
[وهذا ما نلاحظه في حياتنا اليوميّة] فنرى أنّ رحمة المرء بابنه تقتضي أن يشتري له الحلوى، ونفس هذه الرحمة تقتضي أن يعاقبه في موقف آخر؛ ففي الموارد الّتي يتوجّب على المرء أن يعاقب ابنه، ولم يُعاقبه، سيكون قد ارتكب في حقّه جناية، [فقد] يصبح هذا الابن غير مؤدّب ومائعًا٢، ولن تمضي عليه إلّا أيّامٌ قلائل، حتّى إذا بلغ الخامسة عشر مِن عمره، تبدأ الأعمال غير اللائقة بالصدور عنه، وعندها يبدأ أبواه بالصراخ والعويل، وهؤلاء المساكين لا يعلمون أنّهم هم الّذين جلبوا لأنفسهم هذا البلاء.
إن حاول الطفل ذو السنتين أو الثلاث أن يأتي بعملٍ قبيحٍ، فعلى وليِّ أمره أن يزجره ويُبيّن له خطأ ما يريد القيام به، فإن أصرّ الطفل على ذلك، فلا بدّ أن يأخذ وليِّ الأمر موقفًا أشدّ صرامة اتجاهه، وإن حاول القيام به ثالثةً، يجب أن تُلوى أذنه قليلًا – لا أن يُصفع أو يُركل ركلتين – فإن فعَل وليّ الأمر ذلك لن يعود الطفل لذلك العمل مرّة أخرى، أمّا إن تساهل الأب ولم يفعل ذلك – رأفةً بابنه – فسيكون قد فتح أمامه جميع أبواب الجنايات.
- سورة آل عمران (٣)، جزء مِنَ الآية ۱٤٦.
- المائع أو المايع هنا صفة للإنسان وأخلاقه، والمراد بها صاحب السلوك غير اللائق وعديم الحميّة والمستهتر غير المبالي. (م)
