
الجمال والجلال الإلهيّين هما أساس النظام التكوينيّ والتشريعيّ
شرح فقرات مِن دعاء الافتتاح – الجلسة الأولي
شرَح سماحة العلّامة السيّد محمّد الحسين الطهرانيّ (قدّس الله نفسه) الفقرات الخمس الأُوَل مِن دعاء الافتتاح في هذه المحاضرة؛ فبيّن أنّ كلّ ما نقدر عليه وما نحن فيه هو مَنٌّ مِنَ الله تعالى وتسديدٌ، وأنّ أساس العالَم قائمٌ على صفتَي الجمال والجلال الإلهيّين؛ فمِنَ الجمال تترشّح الرحمة، والّتي لها صورتان تتجلّى بهما. والجلال يتمثّل بالنكال والعقاب. فمَن أحسن أو أخطأ بدون عمدٍ ولا إصرارٍ فله العفو، ومَن أساء عن عمد وأصرّ فله العقاب. وفوائد ذلك لا تخفى على عاقل، فمَن صقل نفسه لله تعالى أفلح، وإلّا كان مِنَ الخاسرين.
الجمال والجلال الإلهيّين هما أساس النظام التكوينيّ والتشريعيّ
4هذا مِن جانب، ومِن جانب آخر، قد يقوم أحدهم بالتعدّي على أموال الناس وأعراضهم، ويصرّ على فعلته، دون أن يُظهر أيّ شكل مِن أشكال الندم على ما صدر منه، ولا تتنازل نفسه عمّا بدر منه، ولا يشعر بالخجل والندم على ذلك، بل على العكس، تراه يقف في وجه الآخر ويقول في أعماق نفسه، لو سنحت لي الفرصة مرّة أخرى سأقوم بضعفَي أو بثلاثة أضعافِ ما فعلته؛ فنرى هنا أنّ عمله ذاك قد يرفع مِن قابليّته على تكرار ذلك الفعل بحقّ ذلك الرجل أو غيره. فعندما يراجع الإنسان نفسه في مثل هذا الموقف، يجد نداءً باطنيًّا في نفسه يأمره بضرورة معاقبة ذلك الرجل، وعدم التسامح معه فيما فعله، وذلك لأنّ للرجل في مكنون نفسه نقطةً مظلمةً ونارًا تحرقه الآن وتعمل على تسويد صفحة ذهنه بالكامل، فالعقوبة والتعزير سيعملان على خفض تمرّده والتقليل مِن جناياته، فلا بدّ مِن تطبيق عقوبة القصاص بحقّه في مثل هذه الحالة.
لو تجرّأ أحدٌ على صفع آخر، ولم يندم على فعلته تلك، فلا بدّ أن يُصفع بالمثل، وهذا ممّا لا جدال فيه؛ فإن لم يصفعه الطرف المقابل بالمثل، سيُعدُّ هذا مؤشّرًا على ضعف الثاني، والقرآن المجيد يقول: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾۱، وهذا يعني أنّ المجتمع الّذي يُجري القصاص على الجاني، يكون قد أمّن حياته، أمّا إن كان ذلك المجتمع ممّا تحصل فيه أنواع الجرائم، وهو عاجز عن إجراء حكم القصاص، فسوف يشجّع الجناة على المضيّ في جناياتهم، بل على الإكثار منها؛ وذلك لأنّ طبيعة النفس الإنسانيّة هي طبيعة متمرّدة بحدّ ذاتها، نعم إنّها كثيرة الجموح والتمرّد بحيث لا يُتوقّع منها يومًا الهدوء والتراجع عن تمرّدها؛ ولهذا السبب تعتبر العقوبة في مثل هذا المورد بمثابة إدامة حياة المجتمع.
إنّ المجتمع الّذي يُجرى فيه حكم القصاص يُعتبر مجتمعًا حيًّا، أمّا ذلك الّذي يُعطّل فيه هذا الحكم، فهو مجتمع ميّت؛ وذلك لأنّ هذا التعطيل، سيؤدِّي إلى ضياع حقوق الفقراء والضعفاء، ويؤدِّي إلى إهمال رعايتهم، أمّا إن أُقيم حكم القصاص في مجتمعٍ ما، فسيَعرف كلُّ فرد منه أنّه إن قام بصفع الآخر سوف يُصفع بالمثل، وإن قطع أُذن الآخر سيكون مِن حقّ المُجنى عليه أن يقطع أُذنه، وإن قلع عين أحدهم سيتمكّن الآخر مِن قلع عينه بالمقابل. فإن أصبحت هذه القاعدة قاعدةً كلّيةً تُطبَّق على الجميع، سيستقيم عندها أمر المجتمع.
- سورة البقرة (٢)، الآية ۱۷٩.
