
الجمال والجلال الإلهيّين هما أساس النظام التكوينيّ والتشريعيّ
شرح فقرات مِن دعاء الافتتاح – الجلسة الأولي
شرَح سماحة العلّامة السيّد محمّد الحسين الطهرانيّ (قدّس الله نفسه) الفقرات الخمس الأُوَل مِن دعاء الافتتاح في هذه المحاضرة؛ فبيّن أنّ كلّ ما نقدر عليه وما نحن فيه هو مَنٌّ مِنَ الله تعالى وتسديدٌ، وأنّ أساس العالَم قائمٌ على صفتَي الجمال والجلال الإلهيّين؛ فمِنَ الجمال تترشّح الرحمة، والّتي لها صورتان تتجلّى بهما. والجلال يتمثّل بالنكال والعقاب. فمَن أحسن أو أخطأ بدون عمدٍ ولا إصرارٍ فله العفو، ومَن أساء عن عمد وأصرّ فله العقاب. وفوائد ذلك لا تخفى على عاقل، فمَن صقل نفسه لله تعالى أفلح، وإلّا كان مِنَ الخاسرين.
الجمال والجلال الإلهيّين هما أساس النظام التكوينيّ والتشريعيّ
6مقدار عفو الإمام السجّاد عليه السلام
قام غلامٌ للإمام السجّاد (عليه السلام) بجلب طبق طعام مِنَ المطبخ لتقديمه للضيوف، فارتعشت يده وهو في طريقه إلى غرفة الضيوف، فسقط الطبق على رأس طفلٍ صغيرٍ للإمام عليّ بن الحسين، ففارق الطفل الحياة على الفور، فاضطرب الغلام كثيرًا وأخذ بالصراخ والعويل، فسمعه الإمام وخرج مِن غرفته ليرى ما الّذي حصل، فالتفت إلى الغلام وقال له: اذهب، فقد أعتقتك في سبيل الله، فانصرف الغلام.. عَرف الضيوف بما حصل، فأخذوا الطفل وغسّلوه وكفّنوه ثمّ ذهبوا به ليدفنوه. وبعد عدّة أيّام حضر الغلام لدى الإمام وقال له: يا سيّدي ومولاي، أنا أعلم أيّة جنايةٍ قد ارتكبتُ بحقكم، وأيّ عملٍ قبيحٍ قد جنيتُ، وأنا أعترف بما صدر منِّي، فإن كنتَ قد غضبت علَيّ ولا تريد أن تراني بعدُ، فلولا بِعتَني لتستفيد مِن ثمني بدل أن تعتقني! فلماذا أعتقتني؟! فقال له الإمام: اعلم يا غلام، وبالله الّذي خلقنا، أنّني لم أعتقك لشيء حصل في قلبي عندما صدر منك ما صدر عن غير عمد، بل أعتقتك لأنّني أعلم أنّك إن بقيت في هذا البيت سيعتريك الخجل والندم كلّما وقع نظرك علَيَّ، فأعتقتك لكي لا يحصل لك هذا الشيء۱.
هذا أحد أساليب الأئمّة في التعامل مع الغير. لاحظوا! فقد قتل الغلامُ ابنَ الإمام خطأً، فقال له الإمام: أنت حرٌّ لوجه الله، فقد أعتقتك. أي إنّني لا أريد أن أرى في وجهك الخجل والانكسار في كلّ مرّة تراني فيها بسبب ما قد حصل منك خطأً.
الإصرار على الذنب موجب للعقاب شرعًا وفطرةً
هذا مِن جانب، ومِن جانب آخر، قد يقتل أحدهم الآخر أو يزني أو يتعدّى على أعراض الآخرين عامدًا متعمّدًا، وقد تراه مصرًّا على فعلته؛ فيجالس الآخرين مساءً ويحثّهم على التأسّي بما قام به قائلًا: عليكم بنهب أموال الناس، والتعدّي على أعراضهم. وإن دعاه النبيّ للكفّ عمّا يرتكبه مِن باطل، فلا يُعير ذلك اهتمامًا. وإن قيل له: أسلِم، ﴿إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإيتاءِ ذِي الْقُرْبى﴾٢، فلا يستجيب. ولو ذهب النبيّ إلى بيته ينصحه ويعظه، فلا يقبل منه. وليس هذا فقط، بل تراه يعترض على النبيّ قائلًا: مَن تكون حتّى تأمرنا بمثل هذا، بل تعال وكن واحدًا منَّا، تعال وانضمّ إلى عصابتنا وافعل كما نفعل، نُغير على القبائل ونقتل نساءهم ونعلّق رؤوس أطفالهم على الرماح ونقتل رجالهم وننهب أموالهم، تعال وكن واحدًا منَّا وسنجعلك رئيسًا علينا، وسنكون تحت لوائك، ونتناصف معك الغنائم، بحيث يكون نصفها لك، ويُقسَّم النصف الآخر على الباقين، فعليك أن تكفَّ عن هذا الكلام، فأنت رجل جيّد ومقبول، ولا عيب فيك سوى إطلاقك لهذا الكلام، فإن كففت عن ذلك سنعطيك جميع ثرواتنا ونجلب لك أجمل فتيات العالَم ونأتمر جميعنا بأمرك. فقال لهم النبيّ: «والله لو وضعتم الشمس في يميني، والقمر في يساري [ما كففت]، قولوا لا إله إلّا الله تُفلحوا، فما مِن طريق أمامكم غير هذا».٣ فبدؤوا بالتصدّي للنبيّ، وقذْفه بالحجارة حتّى أُدميتْ قدماه، ولكنّ النبيّ لم يبالِ بما فعلوا، بل قال: ليس هذا بالأمر المهمّ، فمعارضتهم تلك هي معارضة شخصيّة. [ولم يكتفوا بذلك] بل أخرجوا النبيّ مِن مكّة، وكانوا يُلقون أحشاء الحيوانات على رأسه، نعم لقد قام عمرو بن العاص – ذلك الرجل الّذي أصبح وزيرًا لمعاوية – بإلقاء رَحِم ناقة على رأس النبيّ وهو ساجد في بيت الله. وتكون الرَّحِم مليئة بالدم والقاذورات عند إخراجها مِن جوف الناقة عادةً٤. أمّا النبيّ فقد كان يوكل أمره إلى الله في كلّ ذلك، ولم يكن يعير اهتمامًا لما يحصل. على أنّ ما كان يحصل لم يكن تصفية حسابٍ شخصيٍّ، بل كانت جناية تُرتكب عن بُغض.
- كشف الغمّة في معرفة الأئمّة، ج٢، ص ۸۱، مع بعض الاختلاف.
- سورة النحل (۱٦)، جزء من الآية ٩۰.
- جاء في تفسير القميّ، ج٢، ص٢٢۸: وقوله ﴿وعجبوا أن جاءهم منذر منهم﴾ قال: نزلت بمكة لمّا أظهر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) الدعوة بمكّة، اجتمعت قريش إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب إنّ ابن أخيك قد سفّه أحلامنا وسبّ آلهتنا وأفسد شبابنا وفرّق جماعتنا، فإن كان الّذي يحمله على ذلك العدم، جمعْنا له مالًا حتّى يكون أغنى رجل في قريش ونُملّكه علينا. فأخبر أبو طالب رسول الله (صلّى الله عليه وآله) بذلك، فقال: «لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ما أردته، ولكن يعطوني كلمة يملكون بها العرب وتدين لهم بها العجم ويكونون مُلوكًا في الجنّة». فقال لهم أبو طالب ذلك، فقالوا: نعم وعشر كلمات. فقال لهم رسول الله صلّى الله عليه وآله:«تشهدون أن لا إله إلّا الله وأنّي رسول الله». فقالوا: ندَع ثلاثمائة وستّين إلهًا ونعبد إلهًا واحدًا.
- بحار الأنوار، ج٣٣، ص٢٢٩؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج٦، ص ٢۸٢؛ معرفة الإمام للعلّامة السيّد محمّد الحسين الطهرانيّ، ج٤، ص۱٣٤. ولمزيد مِنَ الاطّلاع على معاناة رسول الله (صلّى الله عليه وآله) وما مرّ عليه مِن مصائب، يمكن الرجوع إلى كتاب (معرفة الإمام)، ج۱، ص۱٣۱، وكتاب (نور ملكوت القرآن)، ج٤، ص٢۸٩، كلاهما للعلّامة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ.
