
المحبّة وانقطاع الإنسان إلى الله تعالى
شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ – الجلسة الرابعة عشرة
ما هي الأمور الثلاثة التي يعتمد عليها السالك إلى الله تعالى؟ أيّة ثمرات تنتج عن الإيمانين الحقيقيّ والظاهريّ؟ ما هي حقيقة الرحمة اللدنيّة؟ هل توجد أهمّية للإصرار في الدعاء؟ كيف ينبغي أن تكون همّة المؤمن ورغبته؟ ما هو السبب الذي يدفع العبد إلى عدم التجائه إلى غير خالقه مهما كانت الظروف؟ لماذا تكون رؤية المـُحبّ وحساباته مختلفة عن غيره؟ ما هي الموانع التي تصدّ الإنسان عن الطريق؟ ماذا يفعل الإنسان حينما يقف بين حالة اليأس من خيره والشعور بمحبّته لله تعالى؟ هي تساؤلات سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ الشريف.
المحبّة وانقطاع الإنسان إلى الله تعالى
3«اللَّهُمَّ بِذِمَّةِ الْإِسْلَامِ أَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ».
فالإسلام دين ينتهي بالإنسان إلى مقام السلامة؛ ممّا يعني أنّ دار السلام تتحقّق في ظلّ الإسلام.۱
«وبِحُرْمَةِ الْقُرْآنِ أَعْتَمِدُ عَلَيْكَ»؛ فأنا أعتمد عليك إليك بما يمتلكه القرآن من احترام، وحصانة، وعصمة.
أي أنّني متّكئ على القرآن لكي يوصلني إليك.
وبمحبّتي لنبيّك الأمّي القرشيّ الهاشميّ العربيّ التهاميّ المكّي المدنيّ.
ولا يخفى أنّ لكلمة «الأمّي» معانٍ مختلفة، حيث يقول البعض: الأمّ يعني الأصل؛ ولهذا، يكون المراد من النبيّ الأمّي: النبيّ الذي يمتلك أصالة، وينتسب إلى الأصول، لا إلى الفروع؛ ويقول البعض الآخر: معنى الأمّي أنّ النبيّ كان من مكّة التي هي أمّ القُرى؛ ولذلك يُقال له صلّى الله عليه وآله وسلّم: الأمّي؛ أي لأنّه من أمّ القرى التي هي مكّة؛ لكنّ هذين المعنيين ليسا هما المراد من الأمّي؛ لأنّ الأمّي هو المنسوب إلى الأمّ؛ أي نسبة النبيّ إلى أمّه.٢ فالتعاليم التي بيّنها لنا الرسول لم يتلقّها في مدرسة أو معهد، ولم يتعلّمها من أحد؛ فهو ابن أمّه؛ وأيّ شيء يتعلّمه الولد من أمّه؟! وحينما كان النبيّ في حضن هذه الأمّ، أيّ شيء تلقّاه منها؟! ولهذا، يُقال للطفل غير المتعلّم الذي لا يعرف القراءة والكتابة ولم يلتحق بعدُ بالمدرسة: أمّي؛ أي منسوب إلى أمّه. فالنبيّ الأمّي يعني النبيّ الذي لم يدرس قطّ، ولم يلتحق بأيّة مدرسة، ولم يُعلّمه أحد.
والقرشيّ: الذي ينتمي إلى طائفة قريش؛ والهاشميّ: من أولاد هاشم؛ والعربيّ التهاميّ: [منسوب إلى] تهامة؛ وهي منطقة في الجزيرة العربيّة، حيث كانت تُقسّم سابقًا هذه البلاد إلى خمس مناطق: تهامة والحجاز واليمن ونجد والعروض؛٣ فنبيُّنا مكّي ومدنيّ ومن منطقة تهامة؛ ولأنّ مولده كان بمكّة التي أقام بها إلى زمان الهجرة، ثمّ هاجر بعد ذلك إلى المدينة، فإنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم مكّي ومدنيّ؛ أي أنّه مكّي أصلاً، ومدنيّ هجرةً.
فبهذا النبيّ الذي يمتلك هكذا خصائص «أَرجُو الزلفَةَ لَدَيكَ» وآمل أن أتقرّب إليك.
ثمرات الإيمانين الحقيقيّ والظاهريّ
«فَلَا تُوحِشِ اسْتِينَاسَ إِيمَانِي»، إلهي، لا تعدَّ إيماني غريبًا ومُنكَرًا.. هذا الإيمان الذي أوصلتُه إلى درجة الأُنس.
- لمزيد من الاطّلاع، راجع: نور ملكوت القرآن، ج ۱، البَحْثُ الثَّانِي: «القُرْآنُ هُوَ الهَادِي إلى سُبُلِ السَّلَامِ وَالمُخْرِج مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ وَالمُؤَدِي إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ»؛ الميزان في تفسير القرآن، ج ۱۰، ص ٣٩.
- مفاتیح الغیب، ج ۱٥، ص ٣۸۰؛ لسان العرب، ج ۱٢، ص ٣٤؛ مجمع البیان فی تفسیر القرآن، ج ٤، ص ۷٤: «الأمّي، ذکر فی معناه أقوال:
أحدها: أنّه الذي لا یکتب ولا یقرأ؛ وثانیها: أنّه منسوب إلى الأمة، والمعنی: أنّه على جبلة الأمة قبل استفادة الکتابة، وقیل: أنّ المراد بالأمة العرب لأنّها لم تکن تحسن الکتابة؛ وثالثها: أنّه منسوب إلى الأمّ، والمعنی: أنّه على ما ولدته أمّه قبل تعلم الکتابة؛ ورابعها: أنّه منسوب إلى أمّ القری وهي مکّة، وهو المروي عن أبی جعفر الباقر علیه السلام».
ولاية الفقيه في حكومة الإسلام، ج ٢، ص ۷۰: عَنْ أبي مُحَمَّدٍ العَسْكَرِيِّ عَلَيهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ تَعالَى ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ﴾: «إنَّ الأمِّيَّ، مَنْسُوبٌ إلَى «أُمِّهِ» أيْ: هُوَ كَمَا خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أمِّهِ لَا يَقْرَأ وَلَا يَكْتُبُ»". - مجمع البحرين، ج ٣، ص ٢٤٦: «وعن بعضهم: جَزِيرَةُ العربِ خمسةُ أقسامٍ: تِهامةُ ونَجدُ وحِجازُ وعَروضُ ويَمنُ؛ فأمَّا تِهَامَةُ فهي الناحيةُ الجنوبي من الحجازِ، وأمَّا نَجْد فهي الناحيةُ التي بين الحجازِ والعِراقِ، وأمَّا الحِجَازُ فهو جبل يُقبِلُ من اليمنِ حتَّى يتَّصلُ بالشام وفيه المدينةُ وعمانُ، وسُمِّيَ حِجَازًا لأنَّه حَجَزَ بين نَجدٍ وتِهامةٍ، وأمّا العَرُوضُ فهو اليمامةَ إلى البحرينِ، وأمّا اليَمَنُ فهو أعلى من تِهامةٍ».
