انقطع الاتصال بالخادم. جارٍ إعادة المحاولة...

يتعذّر إنشاء الاتصال.

تم رفض الاتصال من قبل الخادم.

جارٍ التحميل...
00:00:00
صورة
إضافة للمفضلة

المحبّة وانقطاع الإنسان إلى الله تعالى

شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ – الجلسة الرابعة عشرة

0

ما هي الأمور الثلاثة التي يعتمد عليها السالك إلى الله تعالى؟ أيّة ثمرات تنتج عن الإيمانين الحقيقيّ والظاهريّ؟ ما هي حقيقة الرحمة اللدنيّة؟ هل توجد أهمّية للإصرار في الدعاء؟ كيف ينبغي أن تكون همّة المؤمن ورغبته؟ ما هو السبب الذي يدفع العبد إلى عدم التجائه إلى غير خالقه مهما كانت الظروف؟ لماذا تكون رؤية المـُحبّ وحساباته مختلفة عن غيره؟ ما هي الموانع التي تصدّ الإنسان عن الطريق؟ ماذا يفعل الإنسان حينما يقف بين حالة اليأس من خيره والشعور بمحبّته لله تعالى؟ هي تساؤلات سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ الشريف.

المحبّة وانقطاع الإنسان إلى الله تعالى

13
  • لكن، ما هو الرجاء الذي يدفع الإنسان إلى القول: لقد بلغ حبّي لك درجة، ووصل رجائي وتعلّقي بك إلى مستوى، وصار لقلبي ميلاً إليك وارتباطًا كبيرًا بك، بحيث لو جئتَ بكافّة أعين عبادك، ودللتَهم على عيوبي، لقلتُ مع ذلك: إلهي، لن أبرح عنك!؛ أ فهل يوجد شيء أكثر من ذلك؟! فحتّى لو ألقيتني في جهنّم، لقلتُ: أنت وحسب! ولو فصلت بيني وبين الصلحاء، لقلتُ: أنت وحسب! ولو وضعت الأغلال والقيود على جسدي، وليس فقط ليوم واحد أو يومين أو ثلاثة أيّام، بل وضعتني في السجن كموسى بن جعفر عليه السلام ثلاث سنوات أو أكثر، لقلتُ مع ذلك: أنت وحسب! فقد تحمّلتُ الكثير من المشاقّ، وقطعتُ شوطًا في السير إليك، وكنتُ أريد رؤية الملائكة وجناح جبرائيل وكذا وكذا؛ لكن، بدلاً عن تُحقّق لي هذه الرغبات، فإنّك منعتني هذه العطايا على مرأى من جميع الناس، ولم تمنحني أيّ شيء؛ كما أنّك لم تُرني نفسك، وأبقيتني خاليَ الوفاض؛ فمع كلّ ما قمتَ به، غير أنّني «مَا قَطَعتُ رَجَائي مِنكَ»، ولا تخلّيتُ عنك.

  • اختلاف رؤية المـُحبّ وحساباته عن غيره

  • ماذا يقول أمير المؤمنين في دعاء كميل؟ فالإمام السجّاد هو ابنه بطبيعة الحال:

  • «إلهي، إذا ألقيتني في النار، وأحرقتني بها، وجَمَعْتَ بَيْنِي وبَيْنَ أَهْلِ بَلَائِكَ، وفَرَّقْتَ بَيْنِي وبَيْنَ أَحِبَّائِكَ وأَوْلِيَائِكَ؛ فَهَبْنِي يَا إِلَهِي وسَيِّدِي صَبَرْتُ عَلَى عَذَابِكَ، فَكَيْفَ أَصْبِرُ عَلَى فِرَاقِكَ؛ وهَبْنِي صَبَرْتُ عَلَى حَرِّ نَارِكَ، فَكَيْفَ أَصْبِرُ عَنِ النَّظَرِ إِلَى كَرَامَتِكَ»۱؟!

  • فهنا، توجد حسابات أخرى!

  • وهنا، لا يكون الحساب مبنيًّا على أساس قاعدة البراءة٢ التي يستدلّ عليها السادة الفقهاء رضوان الله عليهم عن طريق مسألة قبح العقاب بلا بيان،٣ ورواية: «الناسُ سَعَةٍ مَا لاَ يَعلَمونَ»،٤ وآية ﴿وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾.٥

  • ففي هذا المقام، لا يكون للعبد حديث عن العقاب، بل حديثه عن العشق والمحبّة؛ فهو لا يقدر على القيام بالفعل الفلانيّ لأنّ الله تعالى لا يُريده ولا يُحبّه، وليس لأنّه يُعاقب عليه.

  • وحينئذ، سيصير للأحكام هنا موضوعًا مختلفًا؛ أي أنّ الأعمال التي يقوم بها العباد ستكون مبتنية على الحبّ، وليس على الخوف من العقاب حتّى نقول: «حينما لا يوجد بيان، لا تجري قاعدة قبح العقاب بلا بيان»؛ فهذه القاعدة لا تكون هنا «حيّة»، بل الأساس هنا هو الحبّ. فهؤلاء لم يُدركوا بتاتًا هذه المراتب، ولن يُدركوها أبدًا؛ ولهذا، فإنّ قاعدة البراءة تجري في مرتبة قبح العقاب بلا بيان، وحسب. وأمّا الذين تمكّنوا من بلوغ تلك المراتب، فإنّهم يقولون: إنّ الفعل الجائز لنا هو الذي ترتضيه أنت، وأمّا الفعل الذي لا تُحبّه، فإنّه لا يكون جائزًا بالنسبة لنا، مهما كان هذا الفعل! فحتّى لو لم يكن هناك بيان، ولا رسول، ولا آية ﴿وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ﴾،٦ وكنّا نعلم أنّك لن تُعذّبنا، لما أقدمنا على هذا الفعل؛ والسبب في ذلك أنّك لا تُحبّه، في حين أنّ أعمالنا مبنيّة بأجمعها على المحبّة.۷ لا تُخبروا أحدًا بهذه المسائل، واحتفظوا بها لأنفسكم!

    1. مصباح المتجهّد وسلاح المتعبّد، ج ٢، ۸٤۷، فقرات من دعاء كميل الشريف.
    2. الحكم العقليّ بمعذّرية المكلّف وبراءته تجاه التكليف المشكوك والمجهول، بعد عجزه عن الوصول إلى الدليل.
    3. الحكم العقليّ بقُبح العقاب عند عدم التحذير والبيان.
    4. جاء حديث "السعة" في الموسوعات الروائيّة بعدّة صور:
      فقد ورد في عوالي اللئالي العزيزيّة بهذا النحو: "وقالَ النبيُّ صلّى اللهُ عليه وآله: «إِنَّ الناسَ في سَعَةٍ ما لَم يَعلمُوا»"؛ كما ذكره الأصوليّون في العديد من كتبهم ـ من دون الإشارة إلى سنده ـ بصورتين أخريين:
      الأولى: نُوّنت فيها كلمة "سعة"، وجُعلت فيها كلمة "ما" مصدريّة؛ وبالتالي، يُصبح معنى هذا الحديث بالنحو التالي: «ما دام الناس لم يعلموا بتكليفهم، فهم في سعة».
      الثانية: لم تُنوّن فيها كلمة "سعة"، وعُدّت فيها كلمة "ما" موصولة، ثمّ أُضيفت إلى سعة؛ فيضحى معنى الحديث كالآتي: «الناس في سعة بالنسبة للتكليف الذي لا يعلمون به».
      هذا، وقد جاء في الكافي، ج ٦، ص ٢٩۷، عن الإمام الصادق، عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: «... هُم في سَعَةٍ حّتَّى يَعلَموا». (المحقّق)
    5. سورة الإسراء، الآية ۱٥.
    6. سورة الإسراء، الآية ۱٥.
    7. يُطلق في لسان أهل العرفان على هذا النوع من العبادة اسم «العبادة الحبّية»، والتي أشير إليها في الحديث المشهور الوارد عن أمير المؤمنين عليه السلام بالنحو الآتي: «إِلهي، ما عَبَدتُكَ خَوفًا مِن نَارِكَ ولا طَمَعًا في جّنَّتِكَ، بَل وَجَدتُكَ أهلاً لِلعِبادَةِ فَعَبدتُكَ» *. (المحقّق)
      * راجع: معرفة الله، ج ٢، ص ۷٢.