
إلى ماذا ينظر الله وملائكته من أعمالنا وإلى ماذا ينظر الناس؟
ظاهر العمل وباطنه
إلى ماذا ينظر الله وملائكته من أعمالنا وإلى ماذا ينظر الناس؟ وما هو المعيار في حكم الملائكة على العمل؟ وما هو معيار مقدار الثواب والعقاب في كلّ عمل؟ تجيب هذه المحاضرة على تلك الأسئلة في سياق شرح فقرة إذا رأيت مولاي ذنوبي فزعت، كما تتعرّض للإجابة على أسئلة أخرى أثناء ذلك منها: كيف يحيط إبليس بالناس كلّهم في آن واحد؟ وما هو مستوى سلطته؟ وما هي أساليبه؟ ما الفرق بين الشطحيّات والحقائق؟ كيف نفهم قصّة أويس القرني وعدم لقائه بالنبيّ صلّى الله عليه وآله؟ وغير ذلك.
إلى ماذا ينظر الله وملائكته من أعمالنا وإلى ماذا ينظر الناس؟
5بعد وفاة المرحوم العلاّمة واجهت هذا الحدث، رأيت الشيطان قد جاء وجعل أولياء الله أمام الناس، وشبّه مكانات الناس بمكانة أولياء الله وقاسهم عليهم، وبواسطة هذا القياس صاروا يصدرون أحكامًا مشابهة لتلك الأحكام، عجبًا! هذا يعني أنّا وصلنا إلى مرتبة تجاوزنا فيها كلّ هذه الحجب، وصلنا إلى مرتبة تجاوزنا فيها جميع مراتب النفس ودرجاتها، لقد وصلنا إلى موضع لم يبق لنا معه نقطة مجهولة، إلى هذه النقطة وصلنا. لقد جاء إنسان وكان مدّعيًا مدعيًا مدّعيًا بأنّ بعض الناس لديهم علم باطنيّ، وعلمهم الباطنيّ هذا مثل العالم الباطنيّ للإمام، مثل العلم الباطنيّ للنبيّ، وكما أنّ القرآن لديه قرآن ظاهريّ وقرآن ناطق هو الإمام عليه السلام، فإنّ هؤلاء الناس هم مرآة صافية تمامًا، فملكاتهم وصفاتهم وفضائلهم هي قرآن ناطق.
فقلت له: أنت تعلم أنّ القرآن لدينا رواية حوله: أنّ للقرآن بطنًا ولبطنه بطنًا إلى ثلاثين بطنًا۱ وفي رواية أخرى إلى سبعين بطنًا٢، فالقرآن له بطن وباطن وعمق ولذلك العمق عمق آخر، ولذلك الستار ستار آخر وهكذا مثل الصناديق التي بعضها في بعض، أو مثل البصل الذي إذا قشّرت قشرته وجدت قشرة أخرى، فإذا نزعتها أيضًا وجدت واحدة أخرى، وهكذا له طبقات متعدّدة حتّى تصل إلى تلك الحقيقة وذلك اللبّ الصافي للبصل والذي هو ألطف من الجميع. قلت: أنت تعلم أنّ للقرآن سبعين بطنًا؟ قال: نعم.
قلت: أنا أشارطك في حقّ هؤلاء الذين تقولون إنّهم القرآن الناطق أنّهم إذا استطاعوا أن يترجموا آية ترجمة ظاهريّة فإنّي أقول إنّهم قرآن ناطق، الترجمة الظاهريّة لآية، لا التفسير ولا الباطن وأمثال ذلك، فانظروا ماذا فعل الشيطان، يأتي الشيطان بعد أن تقصر يد وليّ من أولياء الله عن هذه الدنيا ولا يمكنه أن يدافع عن نفسه ولا يمكنه أن يتكلّم، يا عزيزي لم يجفّ كفني بعد، ولم تمض على ارتحالي بضعة أيّام، أفبهذه السرعة ﴿انقلبتم على أعقابكم﴾٣ ورجعتم إلى عصر الجاهليّة، رجعتم إلى عصر الخلوّ من الراعي، رجعتم إلى عصر الخلوّ من صاحب الاختيار، والخلوّ من وجود سيّد فوق رؤوسكم ومربّ وأمثال ذلك، رجعتم إلى تلك الأزمان؟! نعم من أراد أن يفعل ما يشاء، من أراد أن يطبّق في المجتمع ما يبدو له، من أراد أن يعمل دون أن يكون له مرشد يرشده، فستغدو الحياة غابة بالنسبة إليه، غابات الأمازون، ستتحوّل إلى ذلك، أمّا إذا جعل الإنسان لنفسه مرشدًا ووليًّا وسيّدًا يفهم الدين لديه خبرة، لم يأت من خلف المعول ليأمر وينهى ويتكلّم بهذا الكلام، فإذا فعل ذلك فإنّ عمله حتمًا سيكون عملاً منضبطًا. فانظروا هم يجعلون وليًّا إلهيًّا أمام أعينهم، ثمّ يشبّهون ظروفهم ومكاناتهم بظروفه ومكانته فيفعلون ما كان يفعل، وهنا تحدث الفاجعة، فهم يريدون أن يأمروا كأمره ونهيه في زمان فقدانه، فماذا ستكون النتيجة؟ ستكون أن لا يبقى حجر على حجر، هذه نتيجة ذلك. فلأجل ماذا كلّ ذلك؟ لأنّ "جناب" الشيطان قد "شرّف" وسيطر على جميع زوايا القلب، فصار الإنسان يقول: إن لم أفعل أنا هذا سيحدث كذا، ستحدث هذه المشكلة، سينتهي هذا الطريق، سيبقى هذا الطريق بغير صاحب، من الذي يمكنه أن يحمل هذا المسؤوليّة، إن لم أحملها أنا فستبقى مرميّة على الأرض وأمثال هذا الكلام، يأتي ويزيّن للإنسان موقعه. كلاّ يا عزيزي دع أنت هذه المسؤوليّة لترى أنّ صاحبها سيأتي ويحملها.
- عوالي اللئالي العزيزية، ج٤، ص: ۱۰۷: قَالَ صلّى الله عليه وآله: «إِنَّ لِلْقُرْآنِ ظَهْراً وَ بَطْناً وَ لِبَطْنِهِ بَطْنٌ إِلَى سَبْعَةِ أَبْطُنٍ». وقال العلاّمة الطهراني في تعليقته على رسالة السير والسلوك المنسوبة إلى بحر العلوم عند ذكر هذا الحديث: نقل هذا الحديث العامّة كما هو مصرّح به في المقدمة الرابعة من «تفسير الصافي» ج ۱، ص ۱۸.
أمّا الخاصّة، فقد وردت في هذا الباب روايات عديدة، منها ما ورد في «بحار الأنوار» ج ۱٩، ص ٥، عن «تفسير العيّاشيّ» عن الإمام الصادق عليهالسلام و عن «نوادر الراونديّ» عن الإمام الكاظم عليه السلام، عن رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم قال: «أَيُّهَا النَّاسُ! إنَّكُمْ في زَمَانِ هُدْنَةٍ... إلى أن قال: وَ لَهُ (أي للقرآن) ظَهْرٌ وَ بَطْنٌ، فَظَاهِرُهُ حِكْمَةٌ، وَ بَاطِنُهُ عِلْمٌ. ظَاهِرُهُ أنِيقٌ، وَ بَاطِنُهُ عَمِيقٌ. لَهُ نُجُومٌ وَعَلَى نُجُومِهِ نُجُومٌ».
وروى في ص ٢٤ عن "المحاسن"، و في ص ٢٥ عن «العيّاشيّ» عن الإمام الصادق عليهالسلام قال: «يَا جَابِرُ! إن لِلْقُرْآنِ بَطْناً، وَ لِلْبَطْنِ بَطْنٌ؛ وَ لَهُ ظَهْرٌ، وَ لِلظَّهْرِ ظَهْرٌ ....»
وفي ص ٢٦ عن «بصائر الدرجات» عن فضيل بن يسار قال: سَألْتُ أبَا جَعْفَرٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: «مَا مِنَ القُرْآنِ إلَّا وَ لَهُ ظَهْرٌ وَ بَطْنٌ....»
فَقَالَ: « ظَهْرُهُ تَنْزِيلُهُ، وَ بَطْنُهُ تَأْوِيلُهُ....» - تفسير الميزان ج۱ ص ۷؛ ختم الأولياء، الحكيم الترمذي، ج۱ ص ٤٩٢.
- سورة آل عمران (٣) مقطع من الآية ۱٤٤.
- عوالي اللئالي العزيزية، ج٤، ص: ۱۰۷: قَالَ صلّى الله عليه وآله: «إِنَّ لِلْقُرْآنِ ظَهْراً وَ بَطْناً وَ لِبَطْنِهِ بَطْنٌ إِلَى سَبْعَةِ أَبْطُنٍ». وقال العلاّمة الطهراني في تعليقته على رسالة السير والسلوك المنسوبة إلى بحر العلوم عند ذكر هذا الحديث: نقل هذا الحديث العامّة كما هو مصرّح به في المقدمة الرابعة من «تفسير الصافي» ج ۱، ص ۱۸.
