
إلى ماذا ينظر الله وملائكته من أعمالنا وإلى ماذا ينظر الناس؟
ظاهر العمل وباطنه
إلى ماذا ينظر الله وملائكته من أعمالنا وإلى ماذا ينظر الناس؟ وما هو المعيار في حكم الملائكة على العمل؟ وما هو معيار مقدار الثواب والعقاب في كلّ عمل؟ تجيب هذه المحاضرة على تلك الأسئلة في سياق شرح فقرة إذا رأيت مولاي ذنوبي فزعت، كما تتعرّض للإجابة على أسئلة أخرى أثناء ذلك منها: كيف يحيط إبليس بالناس كلّهم في آن واحد؟ وما هو مستوى سلطته؟ وما هي أساليبه؟ ما الفرق بين الشطحيّات والحقائق؟ كيف نفهم قصّة أويس القرني وعدم لقائه بالنبيّ صلّى الله عليه وآله؟ وغير ذلك.
إلى ماذا ينظر الله وملائكته من أعمالنا وإلى ماذا ينظر الناس؟
3فهذا الفعل الخارجيّ في نفسه نسبته إلى الاتّصاف بالحسن أو القبح متساوية، وما يقع مورد استحسان وما تتشكّل من أجله المحكمة الإلهيّة ويقع موردًا لمحاكمة الملائكة التي تحاكم هو عبارة عن ذلك القصد وتلك النيّة التي أحقّقها في داخلي أثناء أداء هذا الكلام، فتلك النيّة وذلك القصد وذلك الغرض وما يؤدّى هذا الكلام من أجله هو الذي يحاكم ويوزن في محكمة القضاء الإلهيّ، لا هذه الكلمات التي تقال في الخارج والتي تحقّق آثارًا في الخارج، فهذا الكلام في نفسه لا يعترض عليه، وإنّما يعترض على تلك النيّة التي قام على أساسها ذلك الكلام، فتلك المحكمة والملائكة المشرفة على النفوس والمسيطرة على ضمائرنا يمكنها أن تحاكم استنادًا إلى الإشراف والاطّلاع الذي لديها، فتقول: لقد كان كلامك الليلة موضع رضى لله، أو لم يكن كلامك الليلة موضع رضى لله، والحال أنّ الكلام واحد والحديث واحد. ولكن لو أنّ هذا الكلام الذي لم يكن الليلة موضع رضى الله قيل قبل ليلتين لكان موضع رضى الله، فقد تغيّرت النيّة بسبب ظهور بعض الأمور، وبسبب تغيير النيّة ستكون هذه الكلمات سببًا للمدح أو الذمّ.
فإذن من وجهة نظر الناس الذين لا اطّلاع لهم على ضمائر الآخرين وبواطنهم ولا إشراف لهم على النفوس سيكون هذا الكلام مستحسنًا جدًّا، وسيقولون: عجبًا! يا له من كلام جيّد تكلّم به السيّد! وكم شرحه جيّدًا! وكم جاء بحكايات جميلة! وكم ذكر مسائل قيّمة! وكم استفدنا نحن!
فهذا من وجهة نظر الذين ينظرون إلى جهة واحدة، ولا يرون إلاّ جانبًا من وجهًا من وجهي العملة النقديّة، ويكتفون بهذه الأمور وبهذا الجانب الظاهريّ. وأمّا الملائكة المرافقون لنا والمختفون عن أنظارنا فإنّهم يرون شيئًا آخر، ورؤيتهم تختلف.
اختفاء الملائكة عن أعين الأعداء يوم بدر
ففي معركة بدر عندما حدث ما حدث، جاء أمير المؤمنين في النهاية وأنهى الأمر، وانتهى عتبة وشيبة وأمثالهما إلى نتائج أعمالهم على يد أمير المؤمنين عليه السلام، ثمّ تحرّك الجيش الإسلاميّ وضرب وكاد ينتصر، ولدينا في القرآن الكريم: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يكفِيكمْ أَنْ يمِدَّكمْ رَبُّكمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكةِ مُنْزَلِينَ﴾۱ أمدّكم الله بثلاثة آلاف ملاك من عنده وأعادوا الكفّة لصالح جيش الإسلام، وقد كان الأمر في غاية الصعوبة، حيث كانت قوى المشركين كثيرة جدًّا، وكانت عِدّتهم وعُدّتهم كثيرة جدًّا، وقد كانت ليلة بدر تلك من الليالي التي تشبّث فيها النبيّ بقوّة بحبل الله على حدّ قول المرحوم العلاّمة، فليلة بدر كانت من الليالي التي رأى فيها أمير المؤمنين عليه السلام منامًا فأخبر به النبيّ صلّى الله عليه وآله فقال له: «علّمت الاسم الأعظم». لقد جعل الله الاسم الأعظم الليلة في وجودك، هذه النقطة دقيقة لا أن الاسم الأعظم مثل حسن وحسين وتقي، كلاّ بل زرع الله حقيقة الاسم الأعظم في وجودك وجعلها فيك، وبواسطة حقيقة الاسم الأعظم ستتغلّب على المشركين وسترسلهم إلى ديار الفناء. فهؤلاء الثلاثة آلاف من الملائكة المنزلين لم يكن الناس والمسلمون يرونهم، فجأة كانوا يرون أنّ المشركين يسقطون، فهذه الحادثة هي من مصاديق ما نتحدّث عنه. وقد جاء كبير الفسقة ورئيس الفجرة إبليس الشيطان إلى معركة بدر، وكان يبثّ الحماس في المشركين على هيئة رجل عجوز، ولم يكن في ذلك الزمان تصوير وفيديو لكي يصوّروه فنرى صورته ونعرف كيف كانت صورة الشيطان، والله لم يصوّره، فمن أراد أن يعرف كيف هو الشيطان فليقف أمام المرآة بضع لحظات، وليحفظ تلك الصورة التي تقع على المرآة! (مزاح وضحك) والحاصل أنّ ذلك الرجل العجوز كان يبث الحماس في الناس على قتال النبيّ: قاتلوا وافعلوا كذا واضربوا فعددهم قليل، وهم لا يملكون شيئًا، وقد كان بعضهم يحمل معولاً ومجرفة ولم يكونوا يمتلكون سيوفًا، وكانوا قد أمسكوا بالأخشاب وجاؤوا بها، فلم يكن مع هؤلاء المساكين مال ولم يكونوا يمتلكون شيئًا، ولم تكن لهم عِدّة ولا عُدّة، فكان يقول: اضربوا واهجموا ويشجّعهم، وفجأة ما إن وقعت عين الشيطان على الملائكة جمع أغراضه وفرّ، وكان يركض بطريقة يبدو معها كأنّه يطير ويتقلّب في الهواء، فقال الناس: إلى أين أنت ذاهب؟! الآن أنت ذاهب؟ فقد كنت تشجّعنا وتقول تقدّموا تقدّموا فتقدّمنا فقطعت بنا وتركتنا وفررت. قال: ﴿وَ إِذْ زَينَ لَهُمُ الشَّيطانُ أَعْمالَهُمْ وَ قالَ لا غالِبَ لَكمُ الْيوْمَ مِنَ النَّاسِ وَ إِنِّي جارٌ لَكمْ فَلَمَّا تَراءَتِ الْفِئَتانِ نَكصَ عَلى عَقِبَيهِ وَ قالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكمْ إِنِّي أَرى ما لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخافُ اللَه وَ اللَه شَدِيدُ الْعِقابِ﴾٢ إنّي أرى أيّها الأشقياء ما لا ترون، أرى ثلاثة آلاف ملاك نزلوا من السماء سيقضون عليكم، وسأفرّ قبل أن يقضوا عليّ وأترككم هنا. فهكذا هو الشيطان يأتي بالإنسان ويتقدّم به ويتقدّم وكما يقول المرحوم العلاّمة: يسير مع الإنسان ويسير إلى ما قبل الموت ويحتضنه ويقبّله كرفيق، وما إن يقترب من الموت حتّى يتخلّى عن مسؤوليّته إلى عزرائيل، تفضّل يا عزرائيل فقد جئت به وأحيله عليك، فأنت لا تدري ماذا صنعت به، وهناك يبدأ بإعلان الفرح والسرور والتصفيق لأنّه منع إنسانًا من الوصول إلى حرم الله والوصول إلى رضى الله، يصفّق لأنّه رأى نفسه قد نجح في هذه المهمّة، فيتوجّه نحو إنسان آخر.
- سورة آل عمران (٣) الآية (١٢٤).
- سورة الأنفال (٨) الآية (٤٨)
