
إلى ماذا ينظر الله وملائكته من أعمالنا وإلى ماذا ينظر الناس؟
ظاهر العمل وباطنه
إلى ماذا ينظر الله وملائكته من أعمالنا وإلى ماذا ينظر الناس؟ وما هو المعيار في حكم الملائكة على العمل؟ وما هو معيار مقدار الثواب والعقاب في كلّ عمل؟ تجيب هذه المحاضرة على تلك الأسئلة في سياق شرح فقرة إذا رأيت مولاي ذنوبي فزعت، كما تتعرّض للإجابة على أسئلة أخرى أثناء ذلك منها: كيف يحيط إبليس بالناس كلّهم في آن واحد؟ وما هو مستوى سلطته؟ وما هي أساليبه؟ ما الفرق بين الشطحيّات والحقائق؟ كيف نفهم قصّة أويس القرني وعدم لقائه بالنبيّ صلّى الله عليه وآله؟ وغير ذلك.
إلى ماذا ينظر الله وملائكته من أعمالنا وإلى ماذا ينظر الناس؟
14لقد قيل الكثير من هذه الأمور، وأنا بنفسي سمعت بعضها من الأعاظم في بعض الحالات غير الاختياريّة، فقد كانت لهم كلمات كهذه، غاية الأمر أنّها ربّما كانت في أوقات يكون الحاضرون في المجلس معها قادرين على تحمّلها! وعادة في هذه الحالات لا يتكلّم أصحاب السعة والقدرة بهذه الأمور أمام الذين لا يملكون القدرة والاستعداد لتحمّلها. فهذه ترجع إلى تلك الموارد التي لا يكون قد وصل فيها الإنسان إلى استقامة النفس ومرتبة الجمع بين الوحدة والكثرة، وفيها بعض الإشكالات، وهي تنشأ من هذا الأمر.
كيف تحكم الملائكة على أعمالنا؟
وعلى كلّ حال فالملائكة تحكم على نوايانا! وأنّ العمل الذي قمتم به كان خاطئًا، وخدمته للنّاس ليست لأجل الله، بل هي لأجل حفظ مكانته! هذا المال الذي يبذله ليس لأجل الله، بل سرقه من فلان وقام بصرفه هنا، فأنت لا تعلم بالباطن، أنت لا تعلم من أين هذا المال، وأنت لا تعلم النيّة والغرض وراء هذا الأمر كيف خطّطا وصمّما، لا علم لك بهذه الأمور، ولا تفعل ذلك إلا لأجل المدح والثناء، ولكنّ الملكين اللذين على يمينه وشماله يلعنانه، ويطلبان له من الله جهنّم والنار وعذاب الجحيم. فهذان نحوان من الحكم، نحوان من المحاكمة، يرجعان إلى النظرتين الظاهريّة والباطنيّة، فالنظرة الأولى هي لمحكمة الظاهر، وفي محكمة الظاهر يجري التحسين والمدح والثناء وأمثال ذلك، وفي المحكمة الثانية التي هي محكمة الباطن ينثر على ذلك الإنسان اللعن والطرد من رحمة الله والإبعاد من حريم الله، وأمثلة ذلك كثيرة جدًّا والحكايات عديدة، والأمور واضحة في هذه الأشياء.
فهذان النحوان يرجعان إلى هذه الأعمال التي نقوم بها في الخارج، وهذا العمل لا يستحقّ مدحًا عند الله ولا ثناء، أمّا عند الناس فهو يستحقّ لأنّهم ينظرون إلى الظاهر، فإمّا أن يمدحوا وإمّا أن يذمّوا، أمّا عند الله فالنظر ليس إلى الظاهر بل إلى النيّة، ينظر إلى تلك النيّة وعلى أساسها يُحكم.
مكاشفة في الحرم المكّي: سعة الرحمة الإلهيّة وشمولها لكلّ الطائفين حسب نواياهم
كان أحد الأصدقاء يقول: عندما تشرّفت بزيارة مكّة كنت جالسًا ذات ليلة هناك فيها وأنظر إلى ذلك العدد الغفير الذي يطوف حول البيت، وكان هذا الرجل من أهل المكاشفة ولديه مكاشفات جيّدة ومشاهدات جيّدة، قال: بينما أنا أنظر إلى هذا العدد الغفير من الناس وأنا جالس في جانب من المسجد الحرام كان هؤلاء الحجّاج الذين يطوفون يكادون يصلون إليّ، فكانت الدائرة واسعة جدًّا في طوافها حول بيت الله، فكنت أقول لله هكذا: لقد جاء هؤلاء من أماكن بعيدة وتحمّلوا الشدائد والمتاعب وابتعدوا عن عيالهم وأزواجهم وجاؤوا إلى هنا، فكنت أفكّر بلطف الله وكرمه وكيفيّة إفاضتهما على الناس، وأنّه كيف حال هؤلاء الناس وكيف هم مشمولون لرحمة الله، وفجأة رأيت فوق الكعبة إناء كبيرًا، إناء كبيرًا جدًّا جدًّا فوق الكعبة بفاصل عشرة أو خمسة عشر مترًا، وهذا الإناء مقلوب فوق الكعبة، وكلّه من نور، أي يشعّ من هذا الإناء نور كالشمس، فالنور يصعد من الكعبة إلى الأعلى فيصطدم بهذا الإناء، ثمّ ينعكس على كلّ واحد من هؤلاء الناس الطائفين حول الكعبة، فالنور يصطدم بهذا الإناء وحيث إنّه من داخله مقعّر فإنّه ينعكس على كلّ واحد من الحجّاج، كلّ واحد منهم. كان يقول: رأيت في لحظة واحدة أنّ هناك نورًا خاصًّا ومخصّصًا لكلّ واحد منهم يأتي من داخل ذلك الإناء ويسطع عليه، بعضهم يسطع عليه نور أخضر، وبعضهم يسطع عليه نور أصفر وبعضهم يسطع عليه نور أحمر، وبعضهم نور أبيض مثلاً، وبعضهم نوره بحجم الإبرة، وبعضهم أغلظ وبعضهم كالحبل، الحبل نورانيّ، وبعضهم بمقدار وجود الإنسان، وبعضهم رأيت أنّ الإناء كلّه متوجّه إليه وينعكس عليه، أمّا من كان ذلك؟ فهو لم يسمّه، فعلى كلّ حال انظروا جميع هؤلاء الناس الذين يطوفون حول هذا البيت جميعهم يقومون بعمل واحد! لا أنّ أحدهم يطوف أقلّ من الآخرين وأحدهم أكثر، بل الجميع يعملون عملاً واحدًا، وإذا أردنا أن ننظر إلى هذا العمل فإنّ مقدار الطاقة التي تصرف هو واحد لدى الجميع، فهناك سبعة أشواط في النهاية، سبعة أشواط سبعة أشواط فكلّ شوط كم يحتاج من الطاقة؟ عشرين وحدة كالري أو أكثر، فالأمر يختلف، تارة كلّ شوط يحتاج إلى مائة وحدة كالري من الإنسان، وخصوصًا عندما يحصل ازدحام فإنّ نفس الإنسان يكاد ينقطع أحيانًا، وأحيانًا يكون المكان خاليًا فيحتاج إلى عشرة وحدات مثلاً، فيحتاج الطواف الكامل المؤلّف من سبعة أشواط سبعين وحدة كالري، ونحتاج إلى عشرة وحدات كالري لصلاة ركعتين مثلاً، فهذه ثمانون كالري حتّى ينتهي الأمر كلّه من وجهة نظرنا، الأمر كلّه من أوّله إلى آخره يحتاج ما بين سبعين إلى ثمانين وحدة كالري. فهذه نظرتنا نحن، فالأفراد الذين يطوفون ويقولون الأذكار هم من وجهة نظرنا في مستوى واحد. أمّا من وجهة نظر الملائكة فإنّهم يحسبون الكالري بطريقة أخرى، فلهم حساب آخر، ولا ينظرون إلى الكالري الظاهريّة والسكّر والجهد وأمثال ذلك، بل ينظرون إلى أنّه كم لديه من المعرفة، كم لديه من البصيرة، كم عينه مفتوحة، كم لديه صفاء باطن، كم سلّم نفسه هنا! كم احتفظ لنفسه؟ كم من وجوده احتفظ به لنفسه؟ وكم سلّم؟ كم اهتمّ وكم تخلّى عن نفسه هنا؟! كم يفكّر في ذلك هنا؟! كم حقًّا؟!
