
فطريّة الأحكام الإلهيّة
تحليل مواقف أمير المؤمنين عليه السلام في صفّين
هل حرمة الكذب حرمة شرعيّة فحسب أم فطريّة؟ كيف تتطابق أحكام الإسلام وأحكام الفطرة؟ كيف تتجلّى الفطرة عند الأطفال وما معنى كلّ مولود يولد على الفطرة؟ كيف تتجلّى الفطرة في مواقف الأئمّة عليهم السلام؟ وما هو السرّ في بكاء الأعداء على الأئمّة عليهم السلام؟ هل يمكن أن يصدر الكذب من الإمام وكيف نفسّر نسبته الذنب إلى نفسه مع أنّه لم يصدر عنه في الخارج؟ تجيب هذه المحاضرة على تلك الأسئلة في سياق شرح فقرة إذا رأيت مولاي ذنوبي فزعت.
فطريّة الأحكام الإلهيّة
الوصف:
هل حرمة الكذب حرمة شرعيّة فحسب أم فطريّة؟ كيف تتطابق أحكام الإسلام وأحكام الفطرة؟ كيف تتجلّى الفطرة عند الأطفال وما معنى كلّ مولود يولد على الفطرة؟ كيف تتجلّى الفطرة في مواقف الأئمّة عليهم السلام؟ وما هو السرّ في بكاء الأعداء على الأئمّة عليهم السلام؟ هل يمكن أن يصدر الكذب من الإمام وكيف نفسّر نسبته الذنب إلى نفسه مع أنّه لم يصدر عنه في الخارج؟ تجيب هذه المحاضرة على تلك الأسئلة في سياق شرح فقرة إذا رأيت مولاي ذنوبي فزعت.
فطريّة الأحكام الإلهيّة
15وهذا جانب من الأمر، وإلاّ فإنّ أمير المؤمنين لا ينظر إلى ذلك، فلو لم يكن بعد أمير المؤمنين أحد أيضًا، ولو لم يكن في الدنيا إلا واحد هو عمرو بن العاص، ولم يكن هناك أحد كأمير المؤمنين، لما فعل أمير المؤمنين إلاّ ذلك، وأقول لكم هذا الأمر أيضًا: لو أنّ أمير المؤمنين عليه السلام في تلك الحادثة التي وقعت علم أنّ هذا الموقف مع عمرو بن العاص سيؤدّي غدًا أن يغتال هو أميرَ المؤمنين على حين غفلة لما أهوى أمير المؤمنين أيضًا بالسيف على رأسه، وأُقسم بروحه إنّه لا يقتله. ولا شأن لنا أيضًا بالأجيال القادمة، افترضوا أنّه لا يوجد أحد أيضًا، فأصل هذا العمل في النظام الفطريّ لأمير المؤمنين عليه السلام قد تجسّم بهذا النحو، نفس هذا العمل سواء ستأتي أجيال لاحقة أو أفراد لاحقون أو كانوا لا يأتون فلا شأن له بذلك، فهذا العمل كيف يجب أن يتحقّق وإن قطع بأنّه غدًا سيأتي هذا اللعين ويقتله بسهمٍ غيلة، فليقتلني فأنا لا أفعل ذلك، هذا الإنسان يصبح مصداقًا لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكُمْ في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ وَ ذَكَرَ اللَّهَ كَثيراً﴾۱ فهذه هي الأسوة الحسنة، ولأجل هذا كان أئمّتنا أسوة، ففعل الأئمّة عليهم السلام في كلّ موازين مراتب الكثرة سواء في المرتبة الشخصيّة أو في المرتبة العائليّة أو في المرتبة الاجتماعيّة، سواء كانوا متولّين للإدارة أم لم يكونوا وكان حكّامًا أم لم يكونوا وسواء كانوا أعداء أم أصدقاء، حالهم واحدة، لا يتحرّك هذا الميزان من مكانه حركة واحدة، فنحن لدينا أسوة كهذه، ومع ذلك إلى أين نسير؟! نحن الذين نمتلك أسوة كهؤلاء إلى أين نتوجّه؟!
نظام أحكام الفطرة واحد لدى جميع الناس على اختلافهم
فإذن نظام الفطرة في الدنيا هذا النظام نظام واحد، ولا فرق في ذلك بين الناس كلّهم، يقول أمير المؤمنين عليه السلام: كن صادقًا، ومع عدوّك كن صادقًا، وإن كان سيخونك بعد ساعة، أنت الآن عليك أن تكون صادقًا، خيانته ستكون بعد ساعة، وملفّ الساعة الآتية يختلف عن ملفّ الساعة الحاضرة. الأمر دقيق جدًّا، دقيق جدًّا، ملف الساعة الآتية يختلف عن ملفّ الساعة الحاضرة، هذا ملفّان. الآن يسألك هل فعلت ذلك؟ فإن لم تكن فعلته فعليك أن تقول لم أفعل، ولا يمكنك أن تقول فعلت، لا يمكن أن تقول. وتلك الرواية عن رسول الله صلّى الله عليه وآله التي يقول فيها: «كلّ مولود يولد على الفطرة» إنّما تحكي عن هذا الأمر، «فأبواه يهوّدانه وينصّرانه ويمجّسانه»٢ فالأب والأمّ هما اللذان يقضيان على الفطرة، فإمّا يجعلانه يهوديًّا، أو نصرانيًّا أو مجوسيًّا أو بغير دين ولا مذهب، الأبوان يعنيان الظروف الاجتماعيّة ومحيط الأقارب، عندما يولد ذلك الطفل فإنّه يصطحب معه تلك الودائع الإلهيّة، عندما يولد يصطحب معه سجلاًّ ويقدّمه إليك ونحن لا نرى معه ضميمة عندما يخرج من بطن أمّه، نحن لا نراها ولكنّ أبناء الحلال يرونها، وأقصد من أبناء الحلال أولئك الذين فتحت أعينهم فلا تذهبنّ بكم المذاهب إلى مراد آخر، فعندما ولد هذا الطفل جاء معه سجلّ، إنّه ضميمة له، فماذا في هذا السجلّ؟! الأوامر التي أمر الله بها هذا الطفل، أنت يا عبدي ومخلوقي عليك أن تعمل في هذه الدنيا بهذه الطريقة! فقد ضمّ هذا السجلّ فضلاً عن ذلك السجلّ الذي يعطى من المستشفى الذي يذكر فيه يوم الولادة ونوعيّة الولادة وهل كانت طبيعيّة أم قيصريّة وأمثال ذلك وأنواع الصور التي أجريت له وكيفيّة العلاج والأدوية التي أعطيت إليه وسائر ما يكتب، فإضافة إلى هذا السجلّ هناك سجلّ آخر أيضًا لا تراه الممرّضات وسائر الناس، لا يراه إلى من كشف الغطاء عن عينه، في ذلك السجلّ البرنامج الذي عليك أن تعمل على أساسه لكي تطوي طريق التخلّي عن النفس والوصول إلى معرفتي تلك، والتي هي تكاملك الوجوديّ، وفي هذا السجلّ: الصدق واجب، الكذب حرام، العدالة واجبة، النفاق حرام، رعاية الأمانة واجبة، محبّة أبناء النوع واجبة، النظرة التوحيديّة إلى الجميع، مساعدة الفقراء، وأمثال ذلك وكلّ ما يجب على الإنسان أن يقوم به في هذه الدنيا قد سجّل في هذا السجلّ، ذكر فيه، وهنيئًا لمن ينظر بدقّة إلى كلّ سطر منه وإلى كلّ حرف، كلّما أرادوا أن يخرجوا من بيوتهم يوميًّا يلقون نظرة على صحيفة أعمالهم، على تلك الصحيفة الوجوديّة للنّفس والتي تحتوي على تلك الودائع، يلقون عليها نظرة وبناء على تلك النظرة يسيرون في هذا المجتمع، ويسيرون بين الناس بتلك الحالة.
- سورة الأحزاب (٣٣)، الآية ٢۱.
- الخلاف للشيخ الطوسي، ج٣ ص ٥٩۱؛ صحيح مسلم ٤: ٢۰٤۷ حديث ٢٦٥۸، و الموطأ ۱: ٢٤۱ حديث ٥٢، و مسند أحمد بن حنبل ٢: ٢٣٣ و ٢۷٥ و ٢۸٢، و السنن الكبرى ٦: ٢۰٣، و مجمع الزوائد ۷: ٢۱۸ و في بعض المصادر «ما من مولود».
