
حقيقة الفعل الخارجيّ وأصالة النيّة
كيف ننجو في فتن آخر الزمان؟
ما الفرق بين العمل الصادر من رجل آليّ والصادر من إنسان؟ لماذا لا يعاقب المجنون والنائم؟ لماذا يعاقب السبب الآمر بارتكاب الجريمة عند ضعف المباشر لها؟ هل يمكن للإمام عليه السلام أن ينفي في كلامه حقيقة خارجيّة كائنة أو يثبت حقيقة منتفية؟ ماذا نصنع في فتن آخر الزمان؟ تجيب هذه المحاضرة على هذه الأسئلة في سياق الاستمرار في بحث أصالة النيّة لتفسير معنى قول الإمام عليه السلام إذا رأيت مولاي ذنوبي فزعت.
حقيقة الفعل الخارجيّ وأصالة النيّة
11نحن الآن جالسون هنا في هذا المكان الذي فيه أربعة أعمدة، وفيه مروحة ومصباح وهو مضاء والناس فيه معروفون، الجميع فيه معروفون فلو جئت أنا وقلت يا ربّ ليس في هذا المكان الذي أتكلّم فيه متكلّم مثلي ولا سامع مثل هؤلاء، ولا عامود.
ـ فإذن هذا السقف على ماذا يقوم يا عديم الأدب حتّى صرت تتكلّم أنت هنا كالبلبل، ألا أعمدة لهذا السقف؟! فعلى ماذا يقوم إذن؟ أعلى الهواء؟! ألا يوجد شيء؟! يقول الله: يبدو أنّك تهذو، فإمّا أنّك أكلت كثيرًا في وجبة الإفطار، أو أنّ شهر رمضان أدّى إلى اختلالات عندك في عقلك، فلا معنى لأن تنكر الحقائق الخارجيّة التكوينيّة وتنكر الواقع والحقّ الذي في الخارج، هذا كذب، لا يختلف عن الكذب، فالكذب هو ما يخالف ما هو متحقّق في عالم الخارج في وجوده أو عدمه، فلا معنى لأن تقول كلامًا تنفي فيه وجود شيء والحال أنّه ثابت في الخارج، كأن تقول: أنا لم أفعل هذا العمل، والحال أنّك عملته بالأمس، فماذا يكون ذلك؟ إنّه كذب. أو أن تقول: لقد فعلت ذلك في حين أنّك لم تفعل، فجملتك هذه من حيث عدم مطابقتها للواقع الخارجيّ هي كذب.
تغيّر حقيقة الفعل بتغيّر النيّة منه والغرض والهدف
ولكن إن كان مرادك من هذا الكلام ليس تحقّق ذلك الفعل الخارجيّ ـ دقّقوا ـ بل الغرض والنيّة والهدف والإرادة التي يترتّب عليها ذلك الفعل الخارجيّ، لا نفس الفعل الخارجيّ، كما لو أنّ إنسانًا يعطي لآخر هديّة، يهديه مالاً، أو يكون في حالة لا مفرّ فيها من أن يعطي رشوة ظلمًا وعدوانًا كأن يكون هناك عِرض في خطر أو نفس محترمة في خطر، فهنا تعدّ بالنسبة إلى الآخذ رشوة، ولكن حيث يعدّ هذا العمل لدفع الضرر عن نفس محترمة، كما لو كانوا يريدون أن يقتلوا إنسانًا وأنت تعلم أنّه بريء، فتعطي ذلك المتصدّي مالاً لكي يتنازل، ولا يكون هناك وسيلة سوى ذلك ـ وفي محاكم الظلم ومحاكم الجور هكذا هو الحال، وهكذا تحلّ المسائل ـ فبالنسبة إلى الآخذ والقاضي الظالم وقاضي الجور أخذ هذا المال حرام وسحت ونار، فهو يأكل في بطنه نارًا تأكله وتأكل وجوده، أمّا بالنسبة إلى المعطي فهذا لا يعدّ رشوة، فهو بذلك يحفظ النفس المحترمة.
