
من آثار أصالة النيّة اتّضاح مفهوم البلوغ
العقلانيّة في أحكام الإسلام، البلوغ والحجّ نموذجًا
تناولت هذه المحاضرة العلاقة بين أصالة النيّة ومفهوم البلوغ وكيف يؤثّر البحث الأوّل على الثاني؟ وحيث انتهت إلى مفهوم عقلانيّ للبلوغ توقّفت عند العقلانيّة في أحكام الإسلام مستغربة بعض الفتاوى التي لا تنسجم مع ذلك. مبيّنة شرط الوصول إلى هذه الأحكام العقلانيّة من البصيرة والمعرفة القلبيّة لحقائق الدين دون الاقتصار على القواعد الظاهريّة، ثمّ بيّنت آثار ذلك في بعض أحكام الحجّ.
من آثار أصالة النيّة اتّضاح مفهوم البلوغ
4ما جعل عليكم في الدين من حرج
فالفتى في الخامسة عشرة لا يمكنه أن يصوم تلك الأيّام الصيفيّة الطويلة فلا يجب عليه، كلاّ لا يجب، نعم إذا أردنا أن نحتاط في هذا المجال نقول إن لم يستطع فإنّه يقضي لاحقًا في الأيّام القصيرة، فقط هذا ما يمكن أن يقال وإلا فلا يمكن أن نحكم بالإلزام في مثل هذه الموارد. ﴿وَ جاهِدُوا فِي اللَه حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكمْ وَ ما جَعَلَ عَلَيكمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَ فِي هذا لِيكونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيكمْ وَ تَكونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ اعْتَصِمُوا بِاللَه هُوَ مَوْلاكمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾۱ فليس لدينا حرج في الدين.
كان المرحوم العلاّمة ينقل عن أحد الأطبّاء أنّه كان يتصوّر هكذا، وأمره إلى الله فهو أعلم بحاله، فقد كان يصوم وكان كبير السنّ بحيث يمكن أنّ يقال إنّه شيخ، وكان رجلاً ملتزمًا يصلّي ويصوم وكلّ أعماله صحيحة، وكان من الأطبّاء المعروفين، وقد نسيت اسمه الآن، ويبدو أنّ له قرابة بنا، فقد كان عند الغروب يأخذ نبض قلبه، مثلاً قبل الغروب بنصف ساعة، فكان يقول: من الآن فصاعدًا الصوم مضرّ لي، فكان يشرع بالطعام قبل الغروب بنصف ساعة، وكان يقول: أنا مكلّف إلى هذا الوقت و قاعدة «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» تجعلني أصوم إلى الآن. فكانوا يقولون له: لم يبق إلا نصف ساعة، فهل صرت تدقّق في غير موضع التدقيق؟!
فكان يقول لهم: كلاّ فهذا تكليفي. وكان يستدلّ أيضًا فيقول: كما أنّي كنت مكلّفًا إلى الآن بالصوم فأنا مكلّف الآن بالإفطار؛ وذلك لأنّه كان يأخذ نبض نفسه ويضع الجهاز على صدره فيقول: الآن الصيام مضرّ فيأكل ويفطر بكلّ بساطة ودون أية مشكلة. لقد كان مسلمًا مصليًّا وملتزمًا ويصوم تلك الأيّام الطويلة ولكنّه كان هكذا، وكانت هذه عادته، ولا أريد أن أحاكم فعله الآن وأنّه صحيح أم خاطئ؟ فقد كان طبيبًا ولا يمكنني أن أبدي رأيي في أمره، فلو كان الأمر إلينا فنحن نقول: ما هي النصف ساعة؟! ولو كانت ساعتان إلى ثلاث ساعات أيضًا نستمرّ، ولكنّه هو شعر أنّ تكليفه هكذا، ومن جهة أخرى فإنّه يعلم جيّدًا أنّ الإضرار بالنفس حرام، فيضمّ هذه إلى هذه. لم يبق إلا نصف ساعة وأحيانًا كان يفطر قبل ربع ساعة، فكان المرحوم العلاّمة يقول: قبل الغروب بربع ساعة! لا أدري لماذا ترتفع دقّات قلبه قبل الغروب بربع ساعة ولا ينتظر قليلاً، فلينتظر نصف ساعة، لقد تحمّل من الصباح حتّى هذا الوقت العطش والتعب، والآن قبل ربع ساعة يبدأ بالخفقان، فيقول: من الآن أنا معذور فيفطر. حسنًا هو مسؤول عن فعله والأمر بينه وبين الله والله يعامله بما يناسبه، وربّما كان عمله صحيحًا ونحن لا يمكننا الآن أن نحاكمه.
- سورة الحجّ (٢٢)، مقطع من الآية ۷۸.
