
عظمة الحلم الإلهيّ
شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ – الجلسة الثانية عشرة
هل من شأن الله تعالى أن يُقايس ذاته وأفعاله بذات عبده وأفعاله؟ ما هو تأثير حُسن الظنّ بالله تعالى في مسألة الصفح عن المذنبين؟ كيف يكون الحلم الإلهيّ علّة لعدم مؤاخذة الله تعالى لعبده؟ ما هو مصدر الهداية والرفعة والأمان بالنسبة للإنسان؟ ما هو المعنى الحقيقيّ للجوع والعطش؟ ماذا يعني أنّ الله تعالى يتردّد في قبض روح المؤمن؟ هل يتحقّق الغنى بواسطة المال؟ إذا كان الله تعالى خلق كلّ شيء لأجل الإنسان، هل من شأنه أن يتخلّى عنه؟ هي تساؤلات سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ الشريف
عظمة الحلم الإلهيّ
7علّة عدم مؤاخذة الله تعالى لعبده
«سَيِّدِي أَنَا الصَّغِيرُ الَّذِي رَبَّيْتَهُ، وأَنَا الْجَاهِلُ الَّذِي عَلَّمْتَهُ، وأَنَا الضَّالُّ الَّذِي هَدَيْتَهُ، وأَنَا الْوَضِيعُ الَّذِي رَفَعْتَهُ، وأَنَا الْخَائِفُ الَّذِي آمَنْتَهُ، وأَنَا الْجَائِعُ الَّذِي أَشْبَعْتَهُ، والْعَطْشَانُ الَّذِي أَرْوَيْتَهُ، والْعَارِي الَّذِي كَسَوْتَهُ، والْفَقِيرُ الَّذِي أَغْنَيْتَهُ، والضَّعِيفُ الَّذِي قَوَّيْتَهُ، والذَّلِيلُ الَّذِي أَعْزَزْتَهُ، والسَّقِيمُ الَّذِي شَفَيْتَهُ، والسَّائِلُ الَّذِي أَعْطَيْتَهُ، والْمُذْنِبُ الَّذِي سَتَرْتَهُ، والْخَاطِئُ الَّذِي أَقَلْتَهُ، وأَنَا الْقَلِيلُ الَّذِي كَثَّرْتَهُ، والْمُسْتَضْعَفُ الَّذِي نَصَرْتَهُ، وأَنَا الطَّرِيدُ الَّذِي آوَيْتَه».
إلهي، إن أردت محاسبتي، فسأصف لك نفسي: أنا هو الصغير الذي ربّيته، وأدّبته في ظلّ صفتك الربّانية؛ ولهذا، فإنّ تربيتي تمّت على يديك أنت!
ففي البداية، كنتُ في أصل خلقي صغيرًا؛ ومع أنّني كنت صغيرًا ـ سواء حينما كنت طفلاً، أو حينما كنت أصغر من ذلك في رحم أمّي، أو أصغر من ذلك في مرحلة النطفة، أو أينما كنت، لأنّ المهمّ أنّني كنت صغيرًا ـ إلاّ أنّك أخذتَ بيدي في الأطوار والأحوال المختلفة شيئًا فشيئًا، وربّيتني، إلى أن أوصلتني إلى هذا الموضع؛ وبالتالي، فإنّ أصل خلقي منك أنت، وتربيتي منك أنت أيضًا ﴿ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلۡقَ ٱلۡإِنسَٰنِ مِن طِينٍ﴾۱، ﴿قَالَ رَبُّنَا ٱلَّذِيٓ أَعۡطَىٰ كُلَّ شَيۡءٍ خَلۡقَهُۥ ثُمَّ هَدَىٰ﴾٢؛ أي: أنّه تعالى هو الذي خلق كلّ موجود، ولم يتركه لحاله، بل ربّاه، ونمّاه، وهداه إلى كماله؛ وعليه، فإنّني الصغير الذي ربّيته أنت!
«وأَنَا الْجَاهِلُ الَّذِي عَلَّمْتَهُ»؛ فأنا جاهل غارق في الجهل، وأنت الذي علّمتني، ومنحتني هذا العلم الذي وُهبته.
فلو صرفتَ نظرك عن هذا العلم، ونظرتَ إليّ، لرأيتَ جهلاً محضًا؛ وحينئذ، بأيّ شيء تُريد أن تؤاخذني؟! هل بهذا العلم الذي وهبتني إيّاه أنت؟! لكنّه ليس ملكي أنا! أو هل تريد مؤاخذتي بالجهل الذي أملكه؟! لكنّ هذا الجهل راجع إلى ذاتي أنا! فبأيّ شيء تُؤاخذني؟! ولماذا تُريد مؤاخذتي بجهلي؟! فهذا الجهل هو لازم لذاتي وإمكاني؛ بل إنّ موجوديّتي في أساسها جهلٌ وعجز، وذلك المعدن الأوّلي لوجودي وخميرتي مؤلّف من الجهل؛ في حين أنّ النورانيّة التي أمتلكها والعلم الذي أتّصف بها منك أنت! فحينما يُضاء المصباح، ويسطع نوره، فإنّ الوجوه تستنير؛ لكن، متى ما أطفئ هذا المصباح، فإنّ الجميع يغرق في الظلام، ولا يُمكن لأيّ أحد أن يتعرّف على ما يوجد إلى جانبه.
- سورة السجدة، الآية ۷.
- سورة طه، الآية ٥۰.
