
عظمة الحلم الإلهيّ
شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ – الجلسة الثانية عشرة
هل من شأن الله تعالى أن يُقايس ذاته وأفعاله بذات عبده وأفعاله؟ ما هو تأثير حُسن الظنّ بالله تعالى في مسألة الصفح عن المذنبين؟ كيف يكون الحلم الإلهيّ علّة لعدم مؤاخذة الله تعالى لعبده؟ ما هو مصدر الهداية والرفعة والأمان بالنسبة للإنسان؟ ما هو المعنى الحقيقيّ للجوع والعطش؟ ماذا يعني أنّ الله تعالى يتردّد في قبض روح المؤمن؟ هل يتحقّق الغنى بواسطة المال؟ إذا كان الله تعالى خلق كلّ شيء لأجل الإنسان، هل من شأنه أن يتخلّى عنه؟ هي تساؤلات سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ الشريف
عظمة الحلم الإلهيّ
16هي كلّها منقادةٌ ومطيعةٌ من أجلك، فليس من الإنصاف أن لا تنقاد أنت وتطيع أوامر الله].
فإذا أراد الإنسان أن يتحدّث عن الأحوال التي يتحقّق بها والمراتب التي يحصل عليه بكلّ دقّة، ومن وجهة نظر فلسفيّة، واعتمادًا على البراهين العقليّة؛ وأراد أيضًا أن يدرسها رياضيًّا، استنادًا إلى المعادلات الرياضيّة الدقيقة، فإنّه سيكتشف أنّ للمجرّة التي خلقها الله العليّ الأعلى قبل ثلاثين مليون سنة دخالةٌ في نَفَس واحد من أنفاسنا؛ فجميع هذه الأجهزة والأنظمة مرتبطة ببعضها، بحيث يكون كلّ واحد منها دخيلاً في التحقّق والوجود؛ فإذا فسد أحدها، أو هلك، أو غيّر مساره، فإنّ العالم سينهار! وعليه، فإنّ هذه الأنظمة مخلوقة لأجلنا نحن، ولأجل كمالنا؛ فإذا أغدقتَ علينا مالاً، فلأجل مصلحتنا؛ وإذا منحتنا علمًا، فلأجل منفعتنا؛ وإذا أعطيتنا قدرة، فلأجل صلاحنا؛ وإن وهبتنا عمرًا، فلأجل كمالنا؛ وفي هذه الحالة، إذا ارتكبنا معصيةً، واعتَرَتنا غفلةٌ، فهل ستطردنا؟! وهل سترفضنا تمامًا؟! لا يصحّ هذا!
«إِنَّ لَنَا فيكَ أَمَلاً طَويلاً»؛ فحينما يصل الأمر إليك، نجد أنّ رغباتنا كثيرة جدًّا، وشهيّتنا كبيرة للغاية؛ فأنت خلقتنا جوعى وعطشى، وجعلت ذاتَنا عطشانة؛ مع أنّ العطشان يحتاج إلى الماء، والجائع يفتقر إلى الطعام؛ وحينئذ، من أين سنأتي بالماء؟! هل من بيت خالتنا؟! فخالتنا هي أيضًا مسكينة مثلنا؛ ومهما طرقنا بابها، فإنّها ستقول: «لقد جفّ بئرنا!»؛ فمن أين سنحصل على الماء والخبز؟ من بيت عمّتنا؟! فمهما طرقنا بابها، فإنّها ستقول: «لا يوجد في بيتنا ولو قطعة خبز يابسة، فلا يُمكنكم العثور فيه على أيّ شيء!»؛ فهي مسكينة مثلنا؛ وأنت هو رازقنا، وأنت الذي تمنحنا الماء والخبز والطعام؛ فلا تقطع عنّا هذا المقدار من الطعام الذي وهبتنا إيّاها حتّى الآن! ونحن نعلم بأنّك لا تقطعه عنّا؛ لكنّ شهّيتنا مرتفعة، فأطعمنا بمقدار هذه الشهيّة. وصحيح أنّ هذه الشهيّة كبيرة جدًّا ولا مثيل لها في العالم بأجمعه، لكن، ما هو شأننا بذلك؟! فأنت رزّاق، ولا يهمّنا من أين ستأتي بهذا الرزق! فأنت رازق، ويقع رزقنا في عهدتك أنت؛ ونحن غير مكلّفين بالتحقيق عن المصدر الذي تأتي منه بهذا الرزق! فعليك أن تهبنا الرزق الذي نطلبه، ولا علم لنا بأيّ شيء، اللهمّ إلاّ تطلّعُنا إلى فضلك الواسع وحلمك العظيم؛ فرجاؤنا وأملنا متعلّق بـ: «مُتَنَجِّزٌ۱ مَا وَعَدْتَ مِنَ الصَّفْحِ عَمَّنْ أَحْسَنَ بِكَ ظَنًّا»٢.
- خ ل: منتجزٌ.
- مصباح المتهجّد، ج ٢، ص ٥۸۸.
