
عظمة الحلم الإلهيّ
شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ – الجلسة الثانية عشرة
هل من شأن الله تعالى أن يُقايس ذاته وأفعاله بذات عبده وأفعاله؟ ما هو تأثير حُسن الظنّ بالله تعالى في مسألة الصفح عن المذنبين؟ كيف يكون الحلم الإلهيّ علّة لعدم مؤاخذة الله تعالى لعبده؟ ما هو مصدر الهداية والرفعة والأمان بالنسبة للإنسان؟ ما هو المعنى الحقيقيّ للجوع والعطش؟ ماذا يعني أنّ الله تعالى يتردّد في قبض روح المؤمن؟ هل يتحقّق الغنى بواسطة المال؟ إذا كان الله تعالى خلق كلّ شيء لأجل الإنسان، هل من شأنه أن يتخلّى عنه؟ هي تساؤلات سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ الشريف
عظمة الحلم الإلهيّ
14ولدينا رواية أخرى جاء فيها أنّ الله تعالى يُرسل ريحين۱، حيث يُراد من الريح النسيم؛ فيأتي نسيمان عليلان من ناحية الحقّ.
اى صبا نكهتى از منزل آن٢ يار بيار! *** ...٣ [يقول: يا ريح الصبا، ائتني بنكهة من منزل ذلك الحبيب]
ويُراد من النكهة الرائحة العطِرة، ورائحة الفم الطيّبة. «ای صبا نکهتی از منزل آن یار بیاور» يعني: يا ريح الصبا، هُبّي، وأحضري تلك النسائم التي تفوح من الجزر الخالدات، فترحل بالإنسان، وتُخلّده هناك، لا أنّها تطرده؛ فتعالي بتلك النسائم! حيث إنّ تلك الرائحتين وذلك العطرين يُرافقان هذه النسائم.
فتهبّ ريحان من جانب الله تعالى؛ إحداهما تُسمّى بالمـُسخية، والثانية بالمـُنسية، وتصلان إلى مشامّ هذا المؤمن، فينسى كلّ شيء.
وحينئذ، ما الذي سيعنيه قبض الروح؟! فلن يكون هناك أيّ أذى أو إزعاج، ولن يحدث أيّ قبض للروح! فينسى [المؤمن] نفسه تلقائيًّا، ليجد أنّه صار في ذلك العالم؛ فلا يتحقّق هنا أيّ قبض للروح، كما لا يحصل لهذا المؤمن أيّ أذى؛ إذ سيحصل له أذى إن كان له وجودٌ يُراد قبضه. فحينما تهبّ تلكما الريحين، أو تقع تلكما الريحانتين في يد الإنسان، فإنّه يسكر بنحو تلقائيّ، ويرحل٤.
«وَالجَائِعُ الذي أَشبَعتَه، وَالعَطشانُ الذي أَروَيتَه»؛
الغنى بالله تعالى لا بالمال
«وَالعاري الذي كَسَوتَه؛ وَالفَقيرُ الذي أَغنَيتَه».
فما هي حقيقة ذاتي؟! إنّها فقر! فكلّ غنى نتّصف به... لكن، إذا تحدّثنا عن الغنى، فلا ينبغي أن تنصرف أذهانكم مباشرةً إلى المال؛ لأنّ بعض الأموال تُفقر الإنسان أكثر؛ فالمراد من الغنى هنا الغنى بالله تعالى؛ أي أنّ غناك شمل حالنا، فلم نعُد محتاجين!
«وَالضعيفُ الذي قَوّيتَه»
أ فهل نحن ضعفاء أم لا؟! فما عسانا أن نكون؟! فإذا قام الإنسان بدراسة المرحلة التي يقطعها الجنين في بطن أمّه، والكتب التي ألّفت في هذا المجال ـ مع أنّ الكتب المفصّلة منها ... ـ ، لاعتراه الجنون من هذه الحقائق؛ فالجنين موجود ضعيف؛ ولهذا، نجدهم يُشرّعون قانون الإجهاض؛ وذلك لأنّ حكمهم يجري على الضعيف. فبما أنّ هذا المسكين لا يتمكّن في بطن أمّه من الكلام والسمع، ولا يستطيع الدفاع عن نفسه، كما أنّ هؤلاء لم يجدوا من هو أضعف منه، فإنّهم يقولون: فلنُلقِ بجميع هذه الأجنّة في وادي الهلاك!
- الكافي، ج ٣، ص ۱٢۷:
«أَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ... قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو الْيَقْظَانِ عَمَّارٌ الْأَسَدِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عليه السلام قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلّى الله عليه وآله وسلّم: "لَوْ أَنَّ مُؤْمِنًا أَقْسَمَ عَلَى رَبِّهِ أَنْ لَا يُمِيتَهُ مَا أَمَاتَهُ أَبَدًا؛ ولَكِنْ إِذَا كَانَ ذَلِكَ، أَوْ إِذَا حَضَرَ أَجَلُهُ، بَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إِلَيْهِ رِيحَيْنِ رِيحًا يُقَالُ لَهَا الْمُنْسِيَةُ ورِيحًا يُقَالُ لَهَا الْمُسَخِّيَةُ؛ فَأَمَّا الْمُنْسِيَةُ فَإِنَّهَا تُنْسِيهِ أَهْلَهُ ومَالَهُ، وأَمَّا الْمُسَخِّيَةُ فَإِنَّهَا تُسَخِّي نَفْسَهُ عَنِ الدُّنْيَا حَتَّى يَخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ"». - خ ل: خاك ره [أي تراب الطريق]
- ديوان حافظ، الغزل ۱۱۷.
- لمزيد من الاطّلاع على هذه المسألة، راجع: معرفة المعاد، ج ٢، ص ٢۱ ـ ٢٩.
- الكافي، ج ٣، ص ۱٢۷:
