
عظمة الحلم الإلهيّ
شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ – الجلسة الثانية عشرة
هل من شأن الله تعالى أن يُقايس ذاته وأفعاله بذات عبده وأفعاله؟ ما هو تأثير حُسن الظنّ بالله تعالى في مسألة الصفح عن المذنبين؟ كيف يكون الحلم الإلهيّ علّة لعدم مؤاخذة الله تعالى لعبده؟ ما هو مصدر الهداية والرفعة والأمان بالنسبة للإنسان؟ ما هو المعنى الحقيقيّ للجوع والعطش؟ ماذا يعني أنّ الله تعالى يتردّد في قبض روح المؤمن؟ هل يتحقّق الغنى بواسطة المال؟ إذا كان الله تعالى خلق كلّ شيء لأجل الإنسان، هل من شأنه أن يتخلّى عنه؟ هي تساؤلات سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ الشريف
عظمة الحلم الإلهيّ
13وهنا، نجد أنّ هذه الرواية تتألّف من قسمين؛ فمن جهة، يُريد الله قبض روحه عبده؛ لأنّ من مصلحته أن يرحل، ولا يُمكنه البقاء؛ ومن جهة أخرى، فإنّه تعالى لا يُحبّ الإساءة إلى هذا العبد وإيذاءه.
وقد شاهدتم أنّ الإنسان قد يقف حقيقةً حائرًا بين هذين الأمرين؛ فمن ناحية، نجده يرغب في إيصال منفعة إلى رفيقه، لكنّ هذا الرفيق لا يتحمّل ذلك، بحيث إذا وصلته هذه المنفعة، فإنّه يستاء وينزعج؛ فلا يُحبّ ذلك الإنسانُ إزعاجَه؛ وحينئذ، فإنّه يظلّ محتارًا بين هذين المحظورين، ولا يعلم ما الذي يُمكنه فعله؛ فإذا أوصل إليه تلك المنفعة، فإنّه لا يراها كذلك، بل يراها مضرّة، فيستاء؛ هذا، مع أنّها خير، وينبغي إيصالها إليه! وهنا، يصير الأمر صعبًا جدًّا، ومعقّدًا للغاية! فماذا بوسع الإنسان أن يفعل؟! لا يعلم! وما الذي يُمكن لله تعالى أن يفعله؟ علينا أن ننظر إلى الروايات.
فقد جاء في إحدى الروايات «أنّ الله تعالى يُعطي ملك الموت غصنين من الزهور ذواتي عطر فوّاح: "ريحانتين"؛ الأولى اسمها المـُسخية، والثانية اسمها المـُنسية؛ فيأتي بهما ملك الموت، ويُقدّمهما للمؤمن»۱.
فكلمة المـُسخية أصلها السخاء؛ ممّا يعني أنّه حينما تقع هذه الريحانة في يد الإنسان، فإنّه يسخى بكلّ ما يملك، ويهبه. وأمّا المـُنسية، فأصلها النسيان؛ أي أنّها توقع الإنسان في النسيان. فليس فقط أنّ هاتين الزهرتين تتّصفان بالطراوة، لنقول عنهما إنّهما جميلتان وحسب، بل إنّهما عَطِرتان أيضًا؛ لأنّ الريحانة تعني الزهرة العطِرة؛ ومن أين أتت هاتان الريحانتان؟ جاءتا من عند الله تعالى؛ فهما زهرتان تفوحان بالعطر الإلهيّ! فإذا كانت الزهور العادية تُسكر الإنسان حقيقةً في بعض الأحيان، فما الذي ستفعله الزهرة التي تفوح بالعطر الإلهيّ؟! ماذا؟
فيقع غصن الريحانة التي تُسمّى بالمـُسخية في يد هذا المؤمن، فتُصيبه بالدوار، فيتخلّى عن كافّة ما يملك من مال وغيره؛ إذ ما إن تصل رائحتها إلى مشامّه، حتّى تُمحى من باله كلّ خاطرة عن المال وغيره.
كما أنّ الريحانة التي تُسمّى بالمـُنسية تفوح أيضًا بالعطر الإلهيّ؛ لأنّها جاءت من عنده تعالى؛ فما إن تصل رائحتها إلى مشامّ ذلك المؤمن، حتّى ينسى كلّ شيء، ولا يبقى في باله أيّ شيء، بتاتًا٢!
- الأمالي، الشيخ الطوسي، ص ٤۱٤.
- الأمالي، الشيخ الطوسي، ص ٤۱٤.
