
عظمة الحلم الإلهيّ
شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ – الجلسة الثانية عشرة
هل من شأن الله تعالى أن يُقايس ذاته وأفعاله بذات عبده وأفعاله؟ ما هو تأثير حُسن الظنّ بالله تعالى في مسألة الصفح عن المذنبين؟ كيف يكون الحلم الإلهيّ علّة لعدم مؤاخذة الله تعالى لعبده؟ ما هو مصدر الهداية والرفعة والأمان بالنسبة للإنسان؟ ما هو المعنى الحقيقيّ للجوع والعطش؟ ماذا يعني أنّ الله تعالى يتردّد في قبض روح المؤمن؟ هل يتحقّق الغنى بواسطة المال؟ إذا كان الله تعالى خلق كلّ شيء لأجل الإنسان، هل من شأنه أن يتخلّى عنه؟ هي تساؤلات سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ الشريف
عظمة الحلم الإلهيّ
11المعنى الحقيقيّ للجوع والعطش
«وَالجَائِعُ الذي أَشبَعتَه».
وليس المراد هنا من الجائع: الجائع لفقدانه الخبز ومرق اللحم، بل المراد منه جائع آخر؛ فهذا هو الذي أشبعته، حيث جاء في الروايات: «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ؛ فَرْحَةٌ عِنْدَ الإِفْطَارِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ الله»۱.
ليلة أمس، كنت جالسًا مع الأطفال، فقلت لهم: ما معنى أنّه لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ؛ فَرْحَةٌ عِنْدَ الإِفْطَارِ؟ فهل معناه أنّه يفرح حينما يرى الحساء بالكَشك٢، أو يخنة الباذنجان؟! هل هذا هو المعنى؟! كلاّ! ففرحة الصائم حين الإفطار ليست بهذا النحو، بل المراد منها: «لقد انقضى يوم واحد، ووفّقتَني يا إلهي لصومه، فتمكّنتُ من القيام بهذا العمل، وإزاحة هذا العبء عن كاهلي، وتجنّبتُ العقاب»؛ وإلاّ، فلا أحد يفرح بالكَشك، لا سيّما إذا كان صائمًا!
«(أنا) الجَائِعُ الذي أَشبَعتَه»، لا أنّك أشبعتني بصحن من مرق اللحم، أو يخنة الباذنجان، بل إنّ وجودي في أساسه جوعٌ، حيث يستقرّ هذا الجوع في قعر ذاتي. فلأنّك أوجدتني خليفة لك (أي لله تعالى)، ودعوتني إلى مقامك، لكي أكون مرآة تامّة لجمالك وكمالك في مختلف الأبعاد، وجذبتني إلى هذا المقام، فقد أُوجِد فيّ الجوع؛ هذا، مع أنّ الجائع يبحث [تلقائيًّا] عن الطعام، بحيث ما دام الإنسان لم يشعر بالجوع، فإنّه لا يطلب شيئًا؛ وحينما انتابني هذا الشعور، وصرتُ أطلبكَ، منحتني هذا الأمر، وأشبعتني أيضًا ولله الحمد! «أشبعتَ»؛ ولذلك، فإنّك لم تتركني جائعًا؛ وبالتالي، فإنّ هذا الشبع هو منك أنت أيضًا!
«وَالعَطشانُ الذي أَروَيتَه»؛ فأنت الذي رويتني وسقيتني بيدك.
فما ألذّ الارتواء بيد الله تعالى! فأحيانًا، قد يرتوي الإنسان عن طريق الماء؛ غير أنّ هذا الماء قد يُصبّ في وعاء متّسخ؛ وحينما ينظر إليه الإنسانُ، يفقد الشعور بالعطش، ويقول: «لقد ارتويتُ يا سيّدي، ولم أعد راغبًا في هذا الماء، وصرفتُ نظري عنه!»؛ لكن، أحيانًا، يُصبّ الماءُ في كأس بلّوري لطيف، ويُضاف إليه الثلج، فيصير باردًا، ويكون الساقي حوريّة من الجنّة يُحيّر جمالُها الجميع، ويصيّرهم سكارى ومذهولين، فتأتي بهذا الكأس وتضعه أمام الإنسان! يقول:
به تـیغم گـر کشـد دسـتش نگیـرم *** و گــر تیــرم زنــد منّــت پــذیرم - بحار الأنوار، ج ٩٣، ص ٢٤۸؛ الكافي، ج ٤، ص ٦٥، باختلاف يسير.
- الكَشك من منتوجات الحليب التي تُصنع في إيران وأفغانستان من اللبن الرائب. المعرّب
