
عظمة الحلم الإلهيّ
شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ – الجلسة الثانية عشرة
هل من شأن الله تعالى أن يُقايس ذاته وأفعاله بذات عبده وأفعاله؟ ما هو تأثير حُسن الظنّ بالله تعالى في مسألة الصفح عن المذنبين؟ كيف يكون الحلم الإلهيّ علّة لعدم مؤاخذة الله تعالى لعبده؟ ما هو مصدر الهداية والرفعة والأمان بالنسبة للإنسان؟ ما هو المعنى الحقيقيّ للجوع والعطش؟ ماذا يعني أنّ الله تعالى يتردّد في قبض روح المؤمن؟ هل يتحقّق الغنى بواسطة المال؟ إذا كان الله تعالى خلق كلّ شيء لأجل الإنسان، هل من شأنه أن يتخلّى عنه؟ هي تساؤلات سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ الشريف
عظمة الحلم الإلهيّ
10﴿وَرَفَعۡنَٰهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾۱، ﴿بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِ﴾٢، حيث ورد عن نبيّ الله إدريس أنّ الله تعالى رفعه مكانًا عليًّا، وعن نبيّ الله عيسى على نبيّنا وآله وعليهما الصلاة والسلام أنّه تعالى رفعه إليه؛ لكن، أين يوجد الله؟ فمكانه لا يقع أعلى المجرّة، ولا فوق الشمس، بل إنّه تعالى في مقام الوحدة والبساطة وأفق اللاتناهي، بحيث تكون ذاته مهيمنة على كافّة الأسماء والصفات. [يقول الله تعالى:] لقد رفعنا عيسى عليه السلام وارتقينا به إلى ذلك المقام، واحتفظنا به حيًّا عندنا هناك! فهذه هي الرفعة التي وهبها الله تعالى إيّاه.
«وَأَنَا الخَائِفُ الذي آمَنتَه».
فهذا الأمان الذي أشعر به، وهذه الطمأنينة التي أحسّ بها منك أنت، لا منّي أنا! حيث تواجه الإنسان في كلّ لحظة الملايينُ من الآفات التي لو هيمن التفكير بواحدة منها على الإنسان، لأصيب بسكتة قلبيّة؛ لكنّنا نرى أنّ الأيّام تمضي، من دون أن تخطر على بال هذا الإنسان بتاتًا تلك الآفات والمصائب؛ ولهذا، فإنّه يعيش بكلّ طمأنينة. ففي نهاية المطاف، نجد أنّ الإنسان ينعم بصحّة واحدة، لكنّه يواجه الآلاف من الأمراض؛ أليس كذلك؟! حيث تُلاحق هذه الأمراضُ الإنسانَ من كلّ جانب. فحينما يكون الإنسان حيًّا، تكون له مجموعة من الأفكار والترتيبات الخاصّة، ويتوفّر على حياة خاصّة، ومنهج معيّن، ومبدأ محدّد، ومعاد مشخّص؛ فإذا مات الآن، فإنّ وضعه لن يكون في الغد بهذا النحو، بل سيتهدّم ويتغيّر كلّ شيء فيه؛ غير أنّه لا يُفكّر بتاتًا في الموت غدًا؛ وإلاّ، لو حلّت هذه الفكرة بنفسه، واستقرّت فيها، لما بقي على قيد الحياة حتّى الغد، ولاحتسى نخب المنيّة في نفس الليلة، وانتشى بها، وارتحل!
لكنّ الله تعالى يُريد [بقاء] الدنيا أيضًا؛ ولأنّه يريدها أن تظلّ عامرة، فإنّه لا يُرسّخ هذه الفكرة في ذهن الإنسان؛ أي فكرة أنّ هذا الإنسان قد يموت غدًا، بل يعبُر ذلك العنوان على ذهنه فقط، لينام في الليل بكلّ راحة؛ وإلاّ، لما تمكّن الناس من النوم بتاتًا، ولما ظلّوا على قيد الحياة أبدًا، بل سيجري تغيير المستشفيات إلى مصحّات أمراض عقليّة، وتتبدّل لوحاتها، ويُصاب نفس الأطبّاء المعالجين للمرضى بالأمراض النفسانيّة، فيتعيّن تقييدهم بالسلاسل، لكيلا يُقطّعوا الناس إربًا إربًا؛ لأنّهم سيصيرون مجانين! فلو عرف كافّة الناس أنّهم سيموتون غدًا، لماتوا برمّتهم بعد مرور ساعة واحدة؛ ولو لم يقتصر الأمر على موتهم فقط، وظهرت لهم الآثار واللوازم والعقبات ـ سواء الدنيويّة أو الأخرويّة ـ التي ستتحقّق بعد وفاتهم، لكان الأمر عجيبًا جدًّا! لكنّنا غضضنا النظر عن ذلك، ونغضّ النظر عنه، ونمضي. فالإنسان يُواجه في كلّ آن الآلاف من مواطن الخوف والخشية، لكنّك لا تُخطرها على باله، حتّى لا ينتابه الخوف؛ ولهذا، فإنّه يعيش بكلّ أمان، ويمضي!
- سورة مريم، الآية ٥۷.
- سورة النساء، الآية ۱٥۸.
