
آثار أصالة النيّة
كيف نكون في عاشوراء؟
تبيّن هذه المحاضرة ثلاثة آثار لموضوع أصالة النيّة: 1. اختلاف الأعداء باختلاف نواياهم. 2. اتّضاح معنى من قتل نفسًا… فكأنّما قتل الناس جميعًا. 3. أن يكون الإنسان أستاذ نفسه. كما تبيّن تحت كلّ أثر بعض التطبيقات الفقهيّة والسلوكيّة، مثل حرمة قتل كلّ من كان في جيش الأعداء ما لم يكن مقاتلاً، وضرورة كون الثواب والعقاب على أمر اختياريّ وهو النيّة وعدم وجود سوى إمام حسين واحد في زماننا هو صاحب الزمان عليه السلام وغير ذلك.
آثار أصالة النيّة
17لذلك كنت ألاحظ هذا الأمر في سلوكه هو وفي حالاته وفي خصوصيّاته بحيث كان يتقدّم. حتّى أنّي سمعت السيّد الحدّاد رضوان الله عليه يومًا يقول لأحدهم إنّ السيّد محمّد حسين يسير أمامي! فمعنى أنّه يسير أمامي هو أنّه لا ينتظر ماذا أريد وماذا أقول، بل هو بنفسه يفعل ويتقدّم بحيث أنّ علينا أن نركض ونلحق به، إنّه يتقدّم ويتقدّم ونحن نريد أن نستبقيه، خفّف السرعة قليلاً يا عزيزي! انتظر قليلاً لا يمكن هذا! والحاصل أنّ هذه الأمور كانت موجودة وأهل المعنى يدركون ذلك ويعملون به ويحصلون على النتيجة، يحصلون على النتيجة.
كيف لحق محمّد بن مسلم بعاشوراء؟
لقد قال الإمام الصادق عليه السلام لمحمّد بن مسلم عندما سأله: يا ابن رسول الله ماذا أصنع كي يفتح الله لي الباب ويزيح الحجب؟ فقال له الإمام: «تواضع لله»۱. اكسر نفسك لأجل الله، ففهم الأمر جيّدًا، وكان محمّد بن مسلم رئيس أشراف الكوفة، كان رئيسًا لطائفة كبيرة فأخذ طبقًا كبيرًا من التمر وراح يبيعه عند السوق، صار يبيع التمر، لم يكن غلام غلام غلامه يفعل ذلك، غلام غلام غلامه لم يكن يفعل ذلك. جاء الناس فرأوه جالسًا يبيع التمر، نحن نضحك على هذه الأمور ولكن ربّما تحدث لنا، غاية الأمر أنّ نوعها يختلف، وصورتها تختلف. فجاء هذا وقال له: ماذا تفعل يا محمّد بن مسلم؟! لماذا جلست؟!
ـ لا شيء، جلست لأبيع تمري.
ـ تعال يا عزيزي! إن كنت تريد مالاً أنا أعطيك، اذهب إلى بيتك ولا ترق ماء وجهك بالله عليك!
جاء آخر فرأى أنّه جازم وعازم وانتهى الأمر عنده فقد قال له الإمام الصادق عليه السلام إذا أردت أن ينتهي أمرك فعليك أن تقوم بذلك، تواضع لله. وحقًّا إنّني إذ أنقل هذا الكلام يترجف بدني هل الله يوفّقني بهذا التوفيق لو قمت بعمل كهذا وليس من الضروريّ أن يكون بيع التمر وأمثاله، كلا بل أمورًا أخرى، فليس الأمر مقتصرًا على ذلك، وله صور أخرى، فالمسألة هكذا كانت وهو فهم منها ذلك ولا يشترط أن يؤخذ هذا العمل أو ذاك من الله. وهنا يدرك الإنسان كلام الإمام السجّاد عليه السلام أنّه «إذا رأيت مولاي ذنوبي فزعت» فحقًّا عندما ينظر الإنسان إلى نفسه يرى أنّه لا يمكنه، فهذا هو معناه، فهذا الابتعاد لا يسمح له أن يتقدّم إلى الأمام ﴿وَ ما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾٢ إلا أن تمتدّ يد ويشمله لطف، فذلك اللطف شمل محمّد بن مسلم عندما قام بذلك وكانت يد الولاية يد الإمام الصادق عليه السلام وراءه، فعندما رأى الإمام صدق حديثه، وعندما مشى هو في ذلك أعانه الإمام، فقد كان هو مهتمًّا بالأمر، وإلا فلولا أنّ الإمام الصادق اعتنى به لحظة واحدة لما استطاع أن يفعل ذلك، لكان ما إن يريد أن يبيع التمر ينظر إلى لحيته ويقول: الويل لي في أيّة ساعة سآتي؟ الآن هناك ازدحام! والآن كذا دع الأمر الآن! ألا يمكن أن آتي عند الساعة العاشرة بينما الناس راجعون إلى بيوتهم فأعطيهم التمر مجّانًا، أعطيهم وعاءًا كاملاً وينتهي الأمر؟! ثمّ كلّما جاء مشتر أطأطئ رأسي، فيسألني بكم التمر؟ فأقول الكيلو بألفين، تعال وخذ كيلويّن أو ثلاث كيلوّات فينتهي الأمر بسرعة. هذا لا يكفي، بل عليك أن تنظر في وجه المشتري وتقول: السلام عليكم كيف حالكم؟ أنا محمّد بن مسلم نعم لا تظنّ أنّك أخطأت أنا هو نفسه ولست نسخة أخرى عنه، محمّد بن مسلم.
- قاموس الرجال - الشيخ محمد تقي التستري - ج ٩ - الصفحة ٥٧٦: عن العياشي، عن عبد الله بن محمد بن خالد الطيالسي، عن أبيه، قال: كان محمد بن مسلم من أهل الكوفة يدخل على أبي جعفر عليه السلام فقال أبو جعفر عليه السلام: «بشّر المخبتين»! وكان محمّد بن مسلم رجلاً موسرًا جليلاً، فقال أبو جعفر عليه السلام: «تواضع».
قال: فأخذ قوصرة تمر فوضعها على باب المسجد وجعل يبيع التمر، فجاء قومه فقالوا: فضحتنا!
فقال: أمرني مولاي بشئ فلا أبرح حتى أبيع هذه القوصرة.
فقالوا: أما إذا أبيت إلا هذا فاقعد في الطحانين، ثمّ سلموا إليه رحى فقعد على بابه وجعل يطحن.
وعنه، قال: سألت عبد الله بن محمد بن خالد عن محمد بن مسلم، فقال: كان رجلا شريفا موسرا، فقال له أبو جعفر (عليه السلام): تواضع يا محمد! فلما انصرف إلى الكوفة أخذ قوصرة من التمر مع الميزان وجلس على باب المسجد الجامع وصار ينادي عليه، فأتاه قومه فقالوا: فضحتنا!
فقال: إن مولاي أمرني بأمر فلن أخالفه ولن أبرح حتى أفرغ من بيع ما في هذه القوصرة.
فقال له قومه: إذا أبيت إلا أن تشتغل ببيع أو شراء فاقعد في الطحانين، فهيأ رحى وجملا وجعل يطحن. وقيل: إنه كان من العباد في زمانه. - سورة يوسف (۱٢) قسم من الآية (٥٣).
- قاموس الرجال - الشيخ محمد تقي التستري - ج ٩ - الصفحة ٥٧٦: عن العياشي، عن عبد الله بن محمد بن خالد الطيالسي، عن أبيه، قال: كان محمد بن مسلم من أهل الكوفة يدخل على أبي جعفر عليه السلام فقال أبو جعفر عليه السلام: «بشّر المخبتين»! وكان محمّد بن مسلم رجلاً موسرًا جليلاً، فقال أبو جعفر عليه السلام: «تواضع».
