
آثار أصالة النيّة
كيف نكون في عاشوراء؟
تبيّن هذه المحاضرة ثلاثة آثار لموضوع أصالة النيّة: 1. اختلاف الأعداء باختلاف نواياهم. 2. اتّضاح معنى من قتل نفسًا… فكأنّما قتل الناس جميعًا. 3. أن يكون الإنسان أستاذ نفسه. كما تبيّن تحت كلّ أثر بعض التطبيقات الفقهيّة والسلوكيّة، مثل حرمة قتل كلّ من كان في جيش الأعداء ما لم يكن مقاتلاً، وضرورة كون الثواب والعقاب على أمر اختياريّ وهو النيّة وعدم وجود سوى إمام حسين واحد في زماننا هو صاحب الزمان عليه السلام وغير ذلك.
آثار أصالة النيّة
14إنّه يعني أنّ هذه هي عاشوراء، فماذا نريد خيرًا من ذلك؟! فليتصوّر الإنسان أنّ الناس الذين جاؤوا إلى الإمام يوم عاشوراء موجودون الآن من هذا الجانب ومن ذاك، وقد نالوا درجة الشهادة وفازوا بمقام الفيض الأعظم ذاك والذي هو عبارة عن مقام ما لا أذن سمعت ولا عين رأت ولا خطر على قلب بشر هؤلاء الذين كانوا في ذلك الزمان بتلك النيّة الخالصة وبذلك الوله والحيرة في إمامهم بحيث لم يكونوا يرون غيره وعندما كانوا يقولون: لو أنّا نقتل سبعين مرّة ونحرق ونذرّى في الهواء ثمّ نحيا فنحن هكذا! وقد كانوا صادقين في كلامهم وقد أثبتوا ذلك في مقام العمل وأظهروا أنّا صادقين وثابتين.
ضرورة أن يكون الثواب والعقاب على أمر اختياريّ
فلو لم يكن هؤلاء في ذلك الزمان هل كانوا سينالون هذا التوفيق؟! ما كانوا سينالونه، فإذن هؤلاء نالوا تلك الدرجة بواسطة أمر بغير اختيارهم إذن، وهو وجودهم في تلك البرهة من الزمان لأنّ وجودنا خاضع لقوانين الطبيعة، ومحكوم لقوانينها، وهذا ليس باختيارنا ولا بإرادتنا، بل هو أمر يرتبط بالمقدَّرات والمشيئة الإلهيّة. فالذين جاؤوا والتحقوا بركب الإمام الحسين عليه السلام ووصلوا إلى ذلك المقام إنّما وصلوا إليه هكذا صدفة، وهذا الأمر يرتبط بحادثة لم تكن باختيارهم هم أصلاً، ولو كانوا بدلاً منّا نحن وكنّا نحن بدلاً منهم لوصلنا نحن إلى تلك المقامات، ولبلغنا تلك الخصوصيّات. والإنسان المجبور وتلك العجوز التي أفنت عمرها ناوية الحجّ ولكنّ الله لم يقسمه لها، لم تتمكّن وكان لديها مانع وعذر ومرض منعها من الذهاب، فبأيّ قانون منطقيّ وعدالة يحرم الله هذه العجوز أو ذاك العجوز من نعمة فيوضات الحجّ؟! لا نريد أن نتحدّث عن كرم الله، الله سيعطيهما بكرمه ولطفه ثواب الحجّ، ولكن لا نريد الحديث عن هذا، ولم نصل بعد إلى مرحلة الكرم واللطف، نحن نقول الله عادل، ونحن الآن نسير في الموضوع على أساس العدالة. كرم الله ولطفه لهما حسابهما، وأمرهما يختلف ولم نصل بعد إلى الحديث حولهما، فنحن نريد أن نبحث في الدرجة الأولى وأنّه كيف ينسجم مع العدالة الإلهيّة أن يحجّ إنسان بمال لم يحصّله هو بل أعطاه إيّاه غيره وقال له: حجّ به. ألا يجب عليه الحجّ؟ حسنًا هل كان ذلك باختياره؟! إنّه يقول: أنا لم أسع خطوة واحدة لتحصيل هذا المال، لم يخط خطوة واحدة لتحصيله، فهو أصلاً لم يتحرّك، فلو كان تاجرًا في السوق لذهب إلى السوق وفتح دكّانه، ولو كان طبيبًا لذهب وفتح عيادته، ولو كان مهندسًا لفتح مكتبه ولو كان في أيّ مجال لسعى ضمنه، ولكنّه لم يفعل شيئًا لتحصيل هذا المال، بل قال له صديقه: نريد هذه السنة أن نحجّ فتعال معنا، فصار الحجّ واجبًا عليه. ومن جهة أخرى فهو مسلم ومن أهل الصلاة ولا يؤخّرها. فأيّ سعي يعى لتحصيل ماله؟ لم يسع أبدًا، لم يسع. وأحد موارد الاستطاعة للحجّ بذل المال والراحلة، أي أن يبذل المركب ومؤونة السفر للإنسان من قبل أحد، فبذل المال والراحلة يسبّب استطاعة الحجّ، وحرام شرعًا على من يبذل له المال والراحلة أن يردّهما ويرفضهما، فلو لم يقبل فقد ارتكب حرامًا شرعًا، وإن لم يحجّ فإنّه يعدّ تاركًا للحجّ، يعدّ تاركًا للحجّ. فذهب هذا إلى الحجّ وحجّ، فلو أنّه ينال ثواب زيارة مكّة واتّباع النبيّ إبراهيم والدخول في تلك الشريعة وما لا يحصى من الفيوضات التي تنزل عليه والبركات بواسطة هذا الحجّ إلى ما شاء الله، أمّا ذلك الرجل العجوز أو المرأة العجوز التي لا ملجأ لها وفقيرة والتي قضت عمرًا على أمل الحجّ ولكنّها لم تحصل على شيء ومرضت وضعفت وصارت على حافّة القبر محرومة من تلك النعم من البداية حتّى النهاية، فأين عدالة الله؟ أين هي؟!
