
ما هي حقيقة الولاية التكوينيّة؟
وانقسام الأوامر الإلهية إلى تكوينية وتشريعية
ما هي حقيقة الولاية التكوينيّة؟ وما هي مراتب هذه الولاية والفوارق بينها؟ ومن الذي يمكنه أن يحوز هذه المراتب؟ هل يعرف الولي ما يجري مع تلامذته؟ وهل يمكن أن لا يوجّههم ويبيّن لهم الصواب؟ ما معنى قولهم أنّ النفس الإنسانية ترابية في حدوثها؟ وكيف يمكن للإنسان أن ينطلق من هذه النفس الترابية ليصل إلى نفس إلهية؟ أسئلة أجاب عنها سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في هذه المحاضرة في الأول من محرم سنة 1413 هجري، بالإضافة إلى مواضيع أخرى.
ما هي حقيقة الولاية التكوينيّة؟
14كنت يوماً أفكّر في أمير المؤمنين عليه السلام، فرأيت كيف كان ذاك الإمام! لقد كان عجيباً جداً، وإذا استطعنا أن نفهم هذه المسألة ونجعلها في أعماق وجداننا سوف تنحل أمامنا الكثير من المسائل.
لقد بات الإمام أمير المؤمنين مكان النبي الأكرم، وكانوا طوال الليل إلى الصباح يرمونه بالحجارة الكبيرة، لكنّه لم يتحرّك من مكانه بتاتاً، وكان قصدهم من رمي الحجارة إلى الصباح أن يقضوا على النبي الأكرم، فتعجّبوا وتساءلوا ما هذه النومة التي ينامها النبي حتى أنّه لم يتحرّك مع كل تلك الحجارة التي ألقيت عليه، فكان الإمام يتحمّلها كلّها، وعندما أسفر الصبح رأوا أنّ الذي كان في الفراش هو عليّ! فقالوا أين محمد؟ قال لا أعلم.. والحاصل أنّ الإمام عندما سئل عن هذه الحادثة قال: إن تلك الليلة من أجمل الليالي التي بتّها في حياتي، لم يكن يمزح في هذا الكلام، يعني لو لم يكن أمير المؤمنين فرحاً في تلك الليلة لما قال ذلك الكلام، وكان يقول الحق عندما قال أجمل ليلة قضيتها في حياتي، والحال أنّه جرى في حياة أمير المؤمنين الكثير من الأحداث، لكن مع ذلك يقول بأنّها أجمل ليلة في حياتي. لماذا كان ذلك؟! كيف يمكننا تصوّر هذا الأمر؟ وكذا الحال عندما كان يدخل الإمام في الحرب، كان يغوص في جموع العدو دون أن يحسب حساباً؛ حيث ينقل بأنّه في معركة أحد كان لديه تسعون جراحة.. فهذه الأمور ينبغي أن يقتصر الإنسان على بيانها فقط، وإلا فهضمها وفهمها كما ينبغي في غاية الإشكال، تصوّر أنّه أصيب بتسعين جراحة في جسده يوم أحد! والحال أنّه ـ كما هو منقول في مصادر أهل العامّة ـ عندما أقفل المشركون عن المدينة راجعين إلى مكّة وكانوا على بعد فراسخ منها، استنفر النبي أصحابه مرّة أخرى وأمرهم باللحاق بالمشركين، فلبّى الأصحاب الذين لم يفرّوا في معركة أحد وارتدوا لامة حربهم وتحرّكوا. والنبي إنّما طلب ذلك منهم لكي يُعرف من فرّ يوم أحد ومن بقي منهم، وكان أمير المؤمنين أول من لبّى النداء والحال أنّ به تسعين جراحة! أما نحن فلو جرح منّا ظفرنا فقط لملأنا الدنيا صراخاً وعويلاً ولتخلّفنا عن الغزو ونمنا في بيوتنا بسبب هذا الجرح، أما أمير المؤمنين فمع ما به من تسعين جراحة عندما أتاه النداء كان أول من سارع بالتلبية، وكان يتّكئ على شخصين يستعين بهما ليصل.. لا يصدّق الإنسان ما هذه المسألة؟ والجواب الذي خطر في ذهني هو أنّ الإمام عليه السلام كان يتعامل مع بدنه بغير ما يتعامل مع نفسه، يعني ما قاله مولانا «متّ من الجماد وصرت نامياً» فالبدن جماد مهما كان هذا البدن، وعندما يفصل حساب بدنه عن حساب نفسه، نرى أنّه حتى لو ضرب هذا البدن بالسيف فسوف تبقى المسألة لديه كذلك. نعم إدراكها صعب جداً، وهذا ما أوصى به الإمام وقاله لولده: أعر الله جمجمتك، باعتبار أنّ جسم الإنسان عبارة عن الرأس، يعني قال: عندما تدخل في جموع الأعداء لا تفكّر في بدنك سواء أصيب بسهم هنا أو أصيبت عينك أم لا، وعندما لا تفكّر في بدنك فحتى لو أصيب بدنك بتسعين جراحة ـ كما في أحد ـ فكأنّك لم تصب ولن تنزعج مما أصابك، لا أنّك لن تحسّ بالجراح ولن تشعر بالألم، بل إنّه يتألّم منها، والله العظيم إنّ الألم الذي نشعر به عند الجراح يشعر به أمير المؤمنين دون فرق أبداً، لكن الكلام في أنّ هذه الجراح لن تؤثّر به، هذه هي المسألة.
