
ما هي حقيقة الولاية التكوينيّة؟
وانقسام الأوامر الإلهية إلى تكوينية وتشريعية
ما هي حقيقة الولاية التكوينيّة؟ وما هي مراتب هذه الولاية والفوارق بينها؟ ومن الذي يمكنه أن يحوز هذه المراتب؟ هل يعرف الولي ما يجري مع تلامذته؟ وهل يمكن أن لا يوجّههم ويبيّن لهم الصواب؟ ما معنى قولهم أنّ النفس الإنسانية ترابية في حدوثها؟ وكيف يمكن للإنسان أن ينطلق من هذه النفس الترابية ليصل إلى نفس إلهية؟ أسئلة أجاب عنها سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في هذه المحاضرة في الأول من محرم سنة 1413 هجري، بالإضافة إلى مواضيع أخرى.
ما هي حقيقة الولاية التكوينيّة؟
9فهو يعلم بالكثير من الأعمال التي قمت بها، لكنّه يأتي ويتحدّث إليك ويضحك ويمزح معك، وكأنّه لم يحصل شيء أصلاً، ما يجعلك تتجرّأ وتقول إنّ السيد لا يعلم بالأمر، لكن يا عزيزي السيد مأمور بالظاهر فعلاً ولم يُرد أن يستفيد من باطنه، فلا تعلم بأنّه يضحك عليك! ثم مرّة أخرى ييبيّن لك الأمر بإشارة وكناية.. فهؤلاء الأولياء لا يبيّنون المطالب بشكل مباشر وصريح، لقد تجلّى فيهم مقام الرحيمية ومقام الستّارية للباري تعالى فلا يُظهرون ما أخفيت من فعلك. ثم تذهب مرّة أخرى وتقوم بفعل آخر، ما يجعله ينبّهك بكناية أخرى، ولكن عندما يرى أنّ الكناية لا تكفي، يردفها بكلام أكثر صراحة، فإن سمعت فجزاك الله خيراً، وإلا ينتقل إلى أن يعبس في وجهك، وهنا يصير معلوماً لك بوضوح حقيقة الأمر، يعني ينبغي أن تبقى متنبّهاً.. فهذه المسائل من الجيد ذكرها، فهي مصداق لـ ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾، فإنّنا لسنا أهلاً لهذه الأمور لكن لا أقل نطرحها، فقد أمرنا بطرحها وبيانها. والحاصل أنّ الولي يعبس في وجهك بعد أن يصدر منك شيء، وبعد مدّة إن صدر أمر آخر وحصلت مسألة جديدة، يقول لك: لا تعُد لفعل هذا الفعل، ثم تحصل قضية أخرى فيتعامل معك بقسوة أعلى، وإذا حصل بعدها قضية يتعامل معك بتخويف وتنبيه إلى أن تنحل المسألة، وما لم تنحل المسألة لا يمكن للأستاذ أن يدعها، وإذا أراد أن يدعها ويتركها لما كان تحمّل كل هذه المصائب والبلاءات بسببي وبسببك أنت.
ضرورة العمل لتحصيل المعاش
والحاصل أنّ المرحوم السيد القاضي لم يترك القضية، فلا بد في النهاية من تصحيح الأمر، وهذا هو عمله وهذه هي وظيفته.. يسأل: من أين تحصل على المال؟ كيف تمرّر أمور معاشك؟ أنا أسألك هذا السؤال مرّتين وأنت تجيبني بأنّ الحياة تُدبّر وتنقضي!؟ فأنا أعلم بأنّ الحياة تنقضي، لكن أريد أن أعرف كيف تدبّر أنت هذه الحياة والمعاش. فقال له إلى الآن أقضى الحياة بهذا الشكل: كل ما أريده يتحقّق مباشرة؛ مثلاً أكون ماراً بالقرب من النهر فأريد سمكة، فجأة أرى سمكة مقلية أمامي، أو أريد بطيخاً مثلاً فأرى أمامي بطيخة، فهزّ المرحوم السيد القاضي رأسه وقال حسناً والآن؟ فصار مهما أراد شيئاً لا يتحقّق؛ يريد سمكة يحصل له بدل السمكة هواء، يريد بطيخة لا يتحقّق شيء، فلم يعد يتحقّق شيء مما يريده، فكل ما كان لديه من قدرة ذهبت، قال الآن اذهب واعمل، فمن الآن لن يحصل لك شيء مجاناً وبلا تعب، بل عليك أن تعمل وتتعب لتحصل على لقمة حلال وتأكلها، لا يوجد بعد اليوم أريد فيحصل.. لذا نرى أنّ الأنبياء كانوا يشقون والأولياء كانوا يتعبون..
