
ما هي حقيقة الولاية التكوينيّة؟
وانقسام الأوامر الإلهية إلى تكوينية وتشريعية
ما هي حقيقة الولاية التكوينيّة؟ وما هي مراتب هذه الولاية والفوارق بينها؟ ومن الذي يمكنه أن يحوز هذه المراتب؟ هل يعرف الولي ما يجري مع تلامذته؟ وهل يمكن أن لا يوجّههم ويبيّن لهم الصواب؟ ما معنى قولهم أنّ النفس الإنسانية ترابية في حدوثها؟ وكيف يمكن للإنسان أن ينطلق من هذه النفس الترابية ليصل إلى نفس إلهية؟ أسئلة أجاب عنها سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في هذه المحاضرة في الأول من محرم سنة 1413 هجري، بالإضافة إلى مواضيع أخرى.
ما هي حقيقة الولاية التكوينيّة؟
3في الأوامر التكوينية لله لا دخالة لأي أمر خارج غير إرادة الله، بل إرادة الله فقط وفقط، لا حاجة إلى رفع الموانع، ولا حاجة إلى العلل والأسباب والمعدّات والتي كل واحدة منها لها أمور ومسائل خاصّة، بل إنّ نفس إرادة الله لشيء مساوٍ لوجود ذلك الشيء في الخارج.
﴿ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِي دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كرْهاً قالَتا أَتَينا طائِعِينَ﴾ (سورة فصلت، الآية ۱۱) عندما كانت السماء وتمام العالم دخاناً في تلك النشأة الأولية لعالم الناسوت والملك، نظر الله تعالى إلى ماهية الأشياء وباطنها ـ كما هو الحال في آية ﴿أَ لَسْتُ بِرَبِّكمْ قالُوا بَلى﴾ (سورة الأعراف، الآية ١٧٢) ـ عندما نظر الله إلى باطن الأشياء أعم من الجماد والنبات والحيوان وأعم من السماء والأرض، خاطب باطن الأشياء: ﴿ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كرْهاً﴾؛ يعني إما أن تكونوا تحت طاعتي طوعاً منكم أو تكونوا كرهاً، لن يختلف الأمر عندي. فعندما يريد المقام الربوبي أن يتجلّى فلن يكون لذلك الشيء أي اختيار من نفسه، بل ينبغي أن يكون تحت إرادة ذلك المقام الربوبي سواء كان طائعاً أم مكرهاً. ائتيا يعني يجب أن تدخلوا تحت طاعتي وتحت تصرّفي، وكل ما أريد أن أفعله وأتصرّف به فيكم يمكنني أن أفعله سواء كان ذلك برضاكم أم برفضكم وكرهكم.
معنى الإتيان طوعاً أو كرهاً هو القبول بولاية أمير المؤمنين وعدمه
وهنا أشير فقط إلى هذه المسألة وهي أنّ هذه الآية تشتمل على الإشارة إلى مقام الولاية، حيث قسّمت هذه الآية الموجودات إلى قسمين، قسم قَبِل بولاية أمير المؤمنين ولو كان من الجماد، وقسم آخر لم يقبل بها.
ويوجد هنا رواية عجيبة جداً الآن خطرت في ذهني من المناسب أن أذكرها لكم، طلب أمير المؤمنين يوماً من قنبر أن يشتري بطيخة من السوق وعندما فتح البطيخة كانت مرّة غير مستساغة للأكل فرماها جانباً، فأعطاه درهماً آخر وطلب منه أن يذهب مرة أخرى إلى السوق ويشتري بطيخة غيرها، وفي المرة الثانية كانت أيضاً مرّة، فخجل قنبر من الذهاب مرّة ثالثة، وقال أنا لست خبيراً بالبطيخ ولا أبي كان زارعاً للبطيخ لذا كان ما اشتريته مرّاً، فذهب الإمام وذهب معه قنبر فتناول بطيخة وعادا بها إلى المنزل ولما فتحها الإمام تعجّبوا من حلاوة طعمها ولذّته، وقالوا انظروا إلى البطيخة التي اختارها أمير المؤمنين لا يوجد ألذّ منها طعماً، فخجل قنبر واعتبر أنّه كان السبب في مرارة ذلك البطيخ المرّ! فقال له الإمام ليست المسألة بيدك، كنت أنت وسيلة فقط، وأما مسألة فساد البطيخ فله سبب آخر؛ وهي تنشأ من مكان آخر. ثم بيّن له الإمام بأنّ الله تعالى عندما خلق الأرض عرض عليها ولايتي، فكل من قبل بولايتي صار ثمره لذيذاً ومرغوباً، وكل أرض لم تقبل بولايتي فسد ثمره وصار مرّاً أو مالحاً ولم يعد صالحاً للاستفادة منه، ثم قال الإمام وهكذا عرضت ولايتنا على الحيوانات وعلى الجنّ والإنس، لا فقط على خصوص بني آدم، وأنّ المخاطب بالقبول بولاية الإمام هو الإنسان فقط۱.
- الاختصاص الشيخ المفيد ص ٣٤٩: عن عمران اليشكري عن أبي حفص المدلجي عن شريف بن ربيعة عن قنبر مولى أمير المؤمنين عليه السلام قال: كنت عند أمير المؤمنين عليه السلام إذ دخل رجل فقال: يا أمير المؤمنين أنا أشتهي بطيخا، قال: فأمرني أمير المؤمنين بشراء فوجهت بدرهم فجاؤونا بثلاث بطيخات، فقطعت واحدا فإذا هو مرّ، فقلت: مر يا أمير المؤمنين، فقال: ارم به، من النار وإلى النار، قال: وقطعت الثاني فإذا هو حامض فقلت: حامض يا أمير المؤمنين، فقال: ارم به، من النار إلى النار، قال: فقطعت الثالثة فإذا مدودة فقلت: مدودة يا أمير المؤمنين، قال: ارم به، من النار إلى النار.
قال: ثم وجهت بدرهم آخر فجاؤونا بثلاث بطيخات فوثبت على قدمي فقلت: اعفني يا أمير المؤمنين عن قطعه - كأنه تأثّم بقطعه - فقال له أمير المؤمنين: اجلس يا قنبر فإنها مأمورة، فجلست فقطعت فإذا هو حلو، فقلت: حلو يا أمير المؤمنين فقال: كل وأطعمنا، فأكلت ضلعا وأطعمته ضلعا وأطعمت الجليس ضلعا.
فالتفت إلي أمير المؤمنين عليه السلام فقال: يا قنبر إن الله تبارك وتعالى عرض ولايتنا على أهل السماوات وأهل الأرض من الجن والإنس والثمر وغير ذلك فما قبل منه ولايتنا طاب وطهر وعذب، وما لم يقبل منه خبث وردي ونتن.
- الاختصاص الشيخ المفيد ص ٣٤٩: عن عمران اليشكري عن أبي حفص المدلجي عن شريف بن ربيعة عن قنبر مولى أمير المؤمنين عليه السلام قال: كنت عند أمير المؤمنين عليه السلام إذ دخل رجل فقال: يا أمير المؤمنين أنا أشتهي بطيخا، قال: فأمرني أمير المؤمنين بشراء فوجهت بدرهم فجاؤونا بثلاث بطيخات، فقطعت واحدا فإذا هو مرّ، فقلت: مر يا أمير المؤمنين، فقال: ارم به، من النار وإلى النار، قال: وقطعت الثاني فإذا هو حامض فقلت: حامض يا أمير المؤمنين، فقال: ارم به، من النار إلى النار، قال: فقطعت الثالثة فإذا مدودة فقلت: مدودة يا أمير المؤمنين، قال: ارم به، من النار إلى النار.
