
ما هي حقيقة الولاية التكوينيّة؟
وانقسام الأوامر الإلهية إلى تكوينية وتشريعية
ما هي حقيقة الولاية التكوينيّة؟ وما هي مراتب هذه الولاية والفوارق بينها؟ ومن الذي يمكنه أن يحوز هذه المراتب؟ هل يعرف الولي ما يجري مع تلامذته؟ وهل يمكن أن لا يوجّههم ويبيّن لهم الصواب؟ ما معنى قولهم أنّ النفس الإنسانية ترابية في حدوثها؟ وكيف يمكن للإنسان أن ينطلق من هذه النفس الترابية ليصل إلى نفس إلهية؟ أسئلة أجاب عنها سماحة آية الله السيد محمد محسن الحسيني الطهراني رضوان الله عليه في هذه المحاضرة في الأول من محرم سنة 1413 هجري، بالإضافة إلى مواضيع أخرى.
ما هي حقيقة الولاية التكوينيّة؟
11لذا فقد شبّه القرآن قصّة النبي عيسى بخلق آدم حيث قال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَه كمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كنْ فَيَكُونُ﴾ (سورة آل عمران، الآية ٥٩)، لا فرق بين هذين الاثنين أبداً. في قصّة آدم لم يكن هناك وجود لآدم، لكن تعلّقت إرادة الله تعالى وخلقه من التراب، وفي قصّة النبي عيسى على نبينا وآله وعليه السلام لم يكن هناك أب ومع ذلك خلقه الله من بطن مريم دون أن يمسّها بشر ومن دون أن تتزوّج أساساً، ففي قصّة النبي عيسى نرى أنّه يوجد بعض العلل والمعدّات وهي نفس السيدة مريم، أما في قصّة آدم فلم يكن هناك شيء أصلاً، لم يكن هناك بشر، ومع ذلك أراد الله تعالى أن يفهمنا بأنّه لا فرق لديه حينما يريد شيئاً بين أن يكون هناك بعض المعدّات أم لا.
حقيقة الولاية التكوينية شاملة للتصرّفات الظاهرية والباطنية
قال المرحوم السيد الحداد يوماً: أنا أتعجّب من أولئك الذين يطلقون المعجزة على بعض الأمور ولا يطلقونها على الأمور الأخرى، مثلاً عندما تفتح حنفية الماء ويخرج منها ماء يقولون بأنّ هذا الأمر عادي ليس معجزة، أما إذا وقف أحدهم بالقرب من البئر ودعا الله ثم خرج الماء منه يقولون بأنّه معجزة.. يقال بأنّ المقدّس الأردبيلي كان يقوم بهكذا أفعال. لكن الأمر بالنسبة إلى الإنسان الموحّد لا يفرق، بل كلا الموردين من باب واحد؛ فتلك اليد التي تتحرّك نحو الحنفية تتحرك بمشيئة الله تعالى، وحينما تتحرّك الحنفية تتحرّك بإرادة الله، جميع تلك الأمور أمور تكوينية ومن جملة الأوامر التكوينية التي تنشأ من إرادة الباري تعالى، وبعد ذلك يخرج من تلك الحنفية الماء، خروج الماء من الحنفية لديه سلسلة من العلل والعوامل التي نشأت من عالم الملكوت وتحرّكت ووصلت إلى هذه الحنفية وخرجت منها حينما وضعت يدك عليها. حسناً ما الفرق بين هذا الأمر وبين الدعاء؟ فحينما تدعو ويخرج الماء من البئر، فهذا الدعاء ونفسك التي تدعو كلاهما يتعلّق بعالم الملكوت، حيث تبدأ سلسلة العلل والأسباب من عالم الملكوت وتحرّك الملائكة الموكلين بالأرض فيخرجون الماء من البئر فتستعمله وتتوضأ منه مثلاً، فما الفرق بينهما؟ هنا تحقّقت هذه السلسلة من العلل والأسباب بواسطة الدعاء حتى خرج الماء من البئر، وهناك تأتي تلك السلسلة من العلل والأسباب من ذاك العالم عبر تبخّر الماء من البحار والأنهار وتبدّلها إلى غيوم ممطرة، ثم تحمل الملائكة الموكلة بقطرات الماء هذه وتنزلها إلى الأرض، فتلك الملائكة النقّالة التي تنقل الماء من مكان إلى مكان، وتضع الماء في النهر، ثم تضعه في الأنابيب الموصولة بالمنازل. وهناك الملائكة التي تمثّل جنبة قادرية الباري تعالى، تأتي وتتجلّى فيك وتمدّك بقوّة في يدك لتفتح بها الحنفية.. كلّها سلسلة من العلل والعوامل، فأيّ فرق بين الحالتين؟ ففي كلتا الحالتين هناك سلسلة من العلل، وفي كلتا الحالتين حصل ما حصل بأمر تكويني، غاية الأمر تختلف صورة ذلك الأمر التكويني؛ فهنا تعلّق الأمر بنفسك وفعلك، بينما هناك حصلت تلك السلسلة من العلل بدون اختيارك ومن دون أن ترى الأسباب بعينك، فبما أنّك لا بصيرة لك ولا يمكنك أن ترى الواقع، تعتبر أنّ الأمر كان من الله تعالى وأنّه أمر غير عادي، والحال أنّ كلتا الحالتين من باب واحد لا فرق بينهما.
