
إن كان العصيان في النيّة فهل كلّ ما يتحقّق في الخارج خير؟
هل ما أصاب الإمام الحسين عليه السلام خيرٌ أم شرٌّ؟
هل ما ما أصاب سيّد الشهداء عليه السلام خير أم شر؟ وهل الشهادة بتلك الطريقة وبتلك الأحوال والخصوصيّات كانت خيرًا أم شرًّا وقبيحًا وأمرًا غير مرغوب به ومرفوضًا؟ تجيب هذه المحاضرة عن هذا السؤال متعرّضة إلى بعض الحقائق الأخرى حول مقامات سيّد الشهداء وأصحابه.
إن كان العصيان في النيّة فهل كلّ ما يتحقّق في الخارج خير؟
7لماذا؟
لأنّه ليس في مرتبة الذات اسم ولا رسم.
هل انعدام الاسم والرسم في مرتبة الذات يعني أنّها فاقدة للعلم والقدرة وأمثالهما؟
فالاسم في مرتبة الذات مغلوب، والاسم في مرتبة الذات فان، والاسم في مرتبة الذات لا هويّة خارجيّة له، إنّما يتحقّق اسم العليم في مرتبة دون الذات، لا أنّ الذات ليس لديها اسم العليم. فالذات لديها اسم القدير ولديها قدرة، ولديها علم ولديها حياة، ولكنّ هذا العلم والقدرة والحياة لم تتحدّد ولا حدود لها، فإذا ما تنزّل اسم العليم من مرتبة الذات حينها يتقيّد بحدود الماهيّات المختلفة، ولذلك فإنّ اسم العليم ما دام في مرتبة الذات يمكن أن تتوهّموا أنّ الذات فاقدة للعلم، ويمكن أن تتخيّلوا بأنّها فاقدة للقدرة، ولكن هل يعقل أن يكون الله في مقام ذاته بدون قدرة؟! كلاّ لا معنى لذلك. أيعقل أن يكون الله في مقام الذات بدون علم؟! كلاّ لا معنى لذلك. غاية الأمر أنّ العلم في مقام الذات لا حدّ له وله قيد، وهو في حالة إطلاق، لا شكل له، لا نموّ له، لا يمكن الإشارة إليه، لا يمكن وضع اليد عليه، ولكنّ هذا العلم الذي هو في مقام الذات إذا ما وصل إلى مرتبة الماهيّات والعلم الأعياني والعنائي يصبح محدودًا بعلم النبيّ فلان، وعلم الملاك فلان، وعلم سائر النفوس والعقول المجرّدة التي هي ذوات حدود وحظوظ من هذا العلم تناسبها.
ورسول الله بواسطة تلك الحيثيّة الوجوديّة الخاصّة التي يمتلكها ولأجل تنزّله من مرتبة ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾۱ ويريد أن يرجع إلى تلك المرتبة من الذات، يقول له جبرائيل: أنا لا يمكنني بعد هذا أن أتقدّم.
الفارق بين فناء النبيّ في الذات وبين عدم قدرة جبرائيل على بلوغ مقام الذات
فرغم أنّ رسول الله عندما يصل إلى مرتبة الذات تندك حدوده الوجوديّة وتفنى في الذات، ولكن وجود نفس رسول الله هو وجود الذات، وليس وجوده وجود اسميّ.
فلا تتصوّروا أنّه إذا أرادت هذه النفس بحدودها وماهيّتها وهويّتها الخارجيّة الخاصّة أن تكون في مرتبة الذات وفي تلك المرتبة الإطلاقيّة لا تتصوّروا أنّه ستبقى لها تلك الحدود، فلو بقيت لها تلك الحدود لما أمكن أن تكون في مرتبة الإطلاق، خذوا كوبًا من الماء واجعلوه داخل البحر، فهذا الكوب من الماء وهو في البحر لم يعد كوبًا، إنّه بحر، فإذا ما أخرجتموه من البحر ورفعتموه عنه مترًا واحدًا حينها يصبح كوبًا من الماء، وفي مقابله البحر، فكم شيئًا لدينا هنا؟ لدينا شيئان. وطبعًا هذا مجرّد تمثيل، وإلا فإنّ مثال الوجود وماهيّات الوجود هي أدقّ من ذلك، فقد أخرجنا نحن هذا الماء من البحر، ولكن فيما نحن فيه ليس الأمر كذلك، فالوجود المقيّد لا ينفصل وكأنّك تحافط على كوب الماء داخل البحر ولا تخرجه منه، وفي الوقت نفسه الذي تحفظ فيه المحدوديّة فإنّ حقيقة البحريّة حاكمة على هذا المقدار المحدود من الماء وجارية عليه، وليس هناك إخراج إلى الأعلى، فهذا الإخراج غلط، والمثال مثال خاطئ، وهكذا يتصوّر الناس والمخالفون للفلسفة وهذه المسائل ويعتقدون أنّ أمر الوجود يشبه الخروج من البحر، والحال أنّ هذا باطل لأنّه يلزم منه التركّب وأمثاله وهو باطل من أصله.
- سورة ص (٣٨) مقطع من الآية (٧٢).
