
اشتراك الناس بالأعمال على حسب النوايا
و كيف يمكننا اللحوق بعاشوراء في زماننا؟
كيف صحّ لجابر بن عبد الله الأنصاري أن يقول للإمام الحسين أشهد أنّي كنت معكم والحال أنّه كان في المدينة؟ وما معنى حديث رسول الله من أحبّ قومًا حشره الله معهم؟ وكيف لعن الإمام بني أميّة قاطبة والحال أنّهم لم يشاركوا جميعًا في قتل الإمام الحسين عليه السلام؟ تبيّن هذه المحاضرة ذلك من خلال التأكيد على النيّة وأنّها معيار الثواب والعقاب والطاعة والمعصية.
اشتراك الناس بالأعمال على حسب النوايا
6السيّدة زينب تالية تلو الإمام
فقد كان لعبد الله ابنان خسرهما واستشهدا، لقد استشهد ابنا السيّدة زينب سلام الله عليها في كربلاء، وبعضهم يقول ابن واحد وبعضهم يقول اثنان، والعجيب أنّ السيّدة زينب سلام الله عليها لم تخرج عند شهادة ابنيها حتّى لا يراها الإمام الحسين عليه السلام. وإنّه عجيب جدًّا! حقًّا هذا عجيب! فالسيّدة زينب سلام الله عليها كان أمرها عجيبًا في حركاتها وسكناتها، وحقًّا يقف الإنسان حائرًا أمامها وأنّه كيف يمكن لامرأة أن تصل إلى هذه المراتب مراتب الإمامة؟! فالسيّدة زينب لم يكن ينقصها إلاّ مرتبة الإمامة، ولكنّها كانت تالية تلو الإمام، كانت تالية تلو الإمام، فذلك الصبر العجيب، والتحمّل العجيب! حقًّا إنّه لعجيب وكلام عجيب فأيّة سعة صدر، وإذا أردت أن أتحدّث عنها باختصار فإنّها في حادثة عاشوراء كانت الثائرة الوحيدة في وجه بني أميّة والتي أبطلت مؤامرتهم من دون مساعدة أحد، نعم أحيانًا كانت أمّ كلثوم تتكلّم أيضًا والإمام السجّاد عليه السلام تكلّم في المسجد الأمويّ، فحادثة المسجد الأمويّ أعلنت نهاية خلافة بني أميّة بواسطة تلك الخطبة التي ألقاها الإمام السجّاد عليه السلام، فقد كان الأمر في غاية الغرابة. ولكنّ الإنسان الذي كانت جميع الأنظار متوجّهة إليه وكان يدير الأمور ويدير الجميع ويدبّر أمرهم وينظّمهم ويخطّط لهم هو السيّدة زينب سلام الله عليها. وإنّه لأمر عجيب جدًّا، وعندما أفكّر وأفكّر في مواقف السيّدة زينب سلام الله عليها أصل إلى مواضع لا ينالها الفكر، فهذه الأحداث وهذه العظمة كانت أمرًا خارقًا، كانت أمرًا خارقًا، وكان أمرًا منها غير طبيعيّ؛ فلا يمكن أن نقيسها بالذين هم في هذه الدنيا، وذلك لأنّها بلغت مقام الجمع الناشئ من التوحيد الغالب على الأسماء والصفات، بحيث جمعت في دائرة نفسها جميع الأسماء والصفات حتّى تمكّنت هكذا من تطبيق قاعدة الوحدة في عين الكثرة في جميع هذه الأحداث والشدائد، وعملت على إبرازها وإظهارها، فمن لم يصل إلى التوحيد ولم يتحوّل قلبه ولم يبق بالله لا يمكنه أن يقوم بما قامت به السيّدة زينب سلام الله عليها، لا يمكنه ذلك! وإنّه لغريب حقًّا وفي غاية الغرابة، ونحن نقول هكذا ما سمعناه، ونسأل الله أن يوّفقنا لإدراك ذلك لكي نعي ما أريد أن أقوله، وأنّه كيف تمكّنت تلك المرأة من الالتزام بإجراء المشيئة الإلهيّة في عالم الكثرة بدقّة بحيث لم تتخلّف عنها ولو بمقدار رأس إبرة، وهذا لا يتحقّق إلا بالوصول إلى مقام البقاء بالله والفناء في ذاته والعمل والتدبير في أحداث هذا العالم بواسطة ظهور الأسماء الكليّة وطلوعها وسيطرتها.
