
اشتراك الناس بالأعمال على حسب النوايا
و كيف يمكننا اللحوق بعاشوراء في زماننا؟
كيف صحّ لجابر بن عبد الله الأنصاري أن يقول للإمام الحسين أشهد أنّي كنت معكم والحال أنّه كان في المدينة؟ وما معنى حديث رسول الله من أحبّ قومًا حشره الله معهم؟ وكيف لعن الإمام بني أميّة قاطبة والحال أنّهم لم يشاركوا جميعًا في قتل الإمام الحسين عليه السلام؟ تبيّن هذه المحاضرة ذلك من خلال التأكيد على النيّة وأنّها معيار الثواب والعقاب والطاعة والمعصية.
اشتراك الناس بالأعمال على حسب النوايا
2أعوذ باللَه من الشیطان الرجیم
بسم اللَه الرحمن الرحیم
«إذَا رَأَيتُ مَولَايَ ذُنُوبِي فَزِعتُ، وَ إذَا رَأَیتُ كرَمَك طَمِعتُ، فَإن عَفَوتَ فَخَیرُ رَاحِمٍ، وَ إن عَذَّبتَ فَغَیرُ ظَالِمٍ».
عندما أنظر إلى ذنوبي تسيطر عليّ حالة من الوحشة، وعندما أنظر إلى كرمك وعظمتك تحصل لديّ حالة من الميل والرغبة بنعمك، فإن عفوت فأنت أرحم الراحمين، وإن عذّبت فلست بظالم؛ وذلك لأنّي أنا ظلمت نفسي، وهذا الظلم لم يكن قد فرض عليّ من قِبل أحد.
خلاصة ما سبق
تقدّم للرفقاء أنّ الذنب ليس هو ذلك العمل الماديّ، بل الذنب أو الطاعة كلاهما عبارة عن تلك النيّة التي لدى الفاعل للإقدام على العمل الذي يرضاه الله والسير في طريقه، أو نيّة الفاعل في الإقدام على العمل الذي يسخطه الله والسير في طريقه، فالحالة في الصورة الأولى هي حالة العبادة والعبوديّة وحالة الطاعة والانقياد، وفي الصورة الثانية حالة الإنكار والمواجهة والعناد والأنانيّة، وعلى الحالة الأولى يترتّب الثواب والدرجات والتكامل والترقّي والنور والبهاء والبهجة، وعلى الحالة الثانية الظلمة والعقاب والنيران والسخط والغضب واللعنة والطرد من رحمة الله، سواء وفّق ذلك الإنسان للقيام بذلك العمل أم لم يوفّق، فالأمر سواء في الحالين.
لماذا صحّ قول جابر الأنصاري للحسين وأصحابه: أشهد أنّي كنت معكم مع أنّه لم يكن معهم؟
عندما انطلق سيّد الشهداء عليه السلام من المدينة نحو مكّة، لم يتمكّن جابر بن عبد الله الأنصاري من مرافقته، فسار الإمام، وطبعًا لم يكن جابر يعلم بما ستؤول إليه الأحوال، وربّما لم يكن وضعه يسمح له بالسير معهم. وهناك من يقول في حقّه كلامًا ويحاكمه، والحال أنّا لم نكن في ذلك الزمان، وليس لدينا اطّلاع على وضع جابر حين هجرة سيّد الشهداء عليه السلام، فلا يمكننا أن نحاكمه من عند أنفسنا.
لذلك فقد سار الإمام وجرى ما جرى، فاضطرب جابر كثيرًا وانقلبت أحواله، فانطلق من المدينة نحو كربلاء ليزور مزار سيّد الشهداء عليه السلام. فلمّا وصل خاطب الإمام، والجميع يعرفون قصّته حيث قال جملة مخاطبًا بها سيّد الشهداء عليه السلام: أشهد أنّي كنت معكم وأنّي معكم، وجميع ما قمتم وما جرى عليكم أنا شريك فيه۱. فجابر لم يكن ليتكلّم بالباطل، كلام جابر دقيق. ولمّا اعترض عليه عطيّة أن كيف كنت مع الإمام الحسين وتعدّ نفسك في تلك المرتبة؟! فأنت تدّعي ادّعاء عظيمًا وأنّ جميع الأحداث قد جرت عليك أيضًا والحال أنّا كنّا في منزلنا في المدينة ولم نقم بشيء؟! كنّا نبيت ونجلس في منزلنا، ولم يكن لدينا خبر عن هذه الأحداث؟!
- بحار الأنوار، ج ٩٨، ص ١٩٦: والذي بعث محمّدًا بالحقّ لقد شاركناكم فيما دخلتم فيه.
