
اشتراك الناس بالأعمال على حسب النوايا
و كيف يمكننا اللحوق بعاشوراء في زماننا؟
كيف صحّ لجابر بن عبد الله الأنصاري أن يقول للإمام الحسين أشهد أنّي كنت معكم والحال أنّه كان في المدينة؟ وما معنى حديث رسول الله من أحبّ قومًا حشره الله معهم؟ وكيف لعن الإمام بني أميّة قاطبة والحال أنّهم لم يشاركوا جميعًا في قتل الإمام الحسين عليه السلام؟ تبيّن هذه المحاضرة ذلك من خلال التأكيد على النيّة وأنّها معيار الثواب والعقاب والطاعة والمعصية.
اشتراك الناس بالأعمال على حسب النوايا
17فالإنسان الذي ينوي ذلك ولكن إذا أزيل ضغط القانون من أمامه فعل ما يحلو له هل يثيبه الله على عمله؟! كلاّ فأين هي الطاعة؟ بل هذا الإنسان هو في حال معصية، فمن كان بهذه النيّة فهو في كلّ آن وفي كلّ ساعة في حالة معصية، تمامًا مثل من توفّرت له الظروف فقام بكلّ ما ينوي، لا يختلف عنه أبدًا، فلو أنّه صارت الحكومة يومًا ما في هذه الدنيا على أساس النوايا لا أساس الظاهر… أمّا الآن فليس في الدنيا من له علم الغيب فهم مجبورون أن تكون المحاكمات على أساس الأعمال فمن تخلّف عن القانون لاحقوه ومن لم يتخلّف لم يلاحقوه، بل يلاحقونه أحيانًا! فلو كان هناك جهاز يبيّن نوايا الناس والدولة تسنّ قانونًا أيضًا على النيّة فإن كانت نيّتك المخالفة حاكمناك، وإن كانت نيّتك الاعتداء حاكمناك، وإن كانت نيّتك السرقة حاكمناك، ولا شأن لنا بالعمل الخارجيّ بل بالنيّة، لو كان الأمر هكذا لامتلأت جادّة قم إلى تبريز صفًّا واحدًا للمحاكمة، وعلى الجميع أن يحاكموا فردًا فردًا ويحاسبوا، ولكنّ الله هنا قد ستر علينا في الوقت الحالي وعاملنا بعفوه وستره.
أو لو فرضنا أنّ الله جعل على جبين كلّ منّا صفحة ساعة مثل شاشة التلفاز، ما إن ننوي المعصية يظهر رقم واحد، فإذا وصل الإنسان إلى رفيقه عند الظهر رأى على جبينه رقم ٦٦، فمن الصباح حتّى الآن ما شاء الله أراد أن يعصي ستًّا وستّين مرّة، إمّا أن يقفز من أعلى الجدار وإمّا أن يهبط على جاره أو لا أدري ماذا يفعل. وذاك الآخر يكون قد كتب على ساعته ۱٥٤ وذاك مثلاً يصل إلى ۱۷٦۸ كلّ بحسب نواياه، وهذه الساعة تسجّل. وهذان الملكان المقيمان هنا يسجّلان ويسجّلان، ولكن حتّى الآن لم يجعل الله لنا ساعة كهذه، وبدلاً من تلك الساعة هؤلاء الملكان الآن يسجّلان: ثواب، عقاب، ثواب، عقاب، ذنب طاعة، يكتبان على الدوام.
فإذن أعتقد أنّه اتّضح جيّدًا للرفقاء والأصدقاء أنّ الذنب ليس عبارة عن ذلك العمل الذي نقوم به، والطاعة ليست عبارة عن العمل الذي نقوم به، بل إن كانت حالتنا تجاه ذلك العمل الذي نريد القيام به حالة خير فتلك الحالة هي الطاعة، وفي النتيجة فإنّ ذلك العمل الخارجيّ يصبح طاعة؛ وإن كانت تلك الحالة التي في النفس حالة شرّ سمّيت تلك الحالة معصية وذنبًا، وبمقتضى العليّة حيث إنّ العمل الخارجيّ مسبّب عن تلك الحالة ومعلول لها يسمّى الفعل الخارجيّ الحاصل بواسطة تلك الحالة ذنبًا أيضًا، وإلا فإنّ العمل الخارجيّ لا هو معصية ولا طاعة، لا شيء منهما، بل هو عمل مثل سائر الأعمال و «إنّما الأعمال بالنيّات»۱. ولذلك لدينا أنّ الله تعالى رفع قلم التكليف عن عدد من الطوائف، سنتحدّث عنها في الجلسات القادمة.
- مسائل علي بن جعفر و مستدركاتها، ص: ٣٤٦ بحار الأنوار، ج٦۷ ، ص٢۱۱.
