
اشتراك الناس بالأعمال على حسب النوايا
و كيف يمكننا اللحوق بعاشوراء في زماننا؟
كيف صحّ لجابر بن عبد الله الأنصاري أن يقول للإمام الحسين أشهد أنّي كنت معكم والحال أنّه كان في المدينة؟ وما معنى حديث رسول الله من أحبّ قومًا حشره الله معهم؟ وكيف لعن الإمام بني أميّة قاطبة والحال أنّهم لم يشاركوا جميعًا في قتل الإمام الحسين عليه السلام؟ تبيّن هذه المحاضرة ذلك من خلال التأكيد على النيّة وأنّها معيار الثواب والعقاب والطاعة والمعصية.
اشتراك الناس بالأعمال على حسب النوايا
15كيفيّة تحوّل نفس هارون الرشيد
فكم يمكن لهذه النفس البشريّة أن تكون قاسية! فأنت لم تكن هكذا يا هارون، لم تكن على هذه الحالة من القسوة، ولكن يا للعجب، فهذه الحالة تحصل شيئًا فشيئًا لا دفعة واحدة، وقد قيل في البداية يسرق السارق بيضة ثمّ دجاجة ثمّ إلى أين ينتهي؟ يسرق جملاً، شيئًا فشيئًا فلو قيل له في شبابه اسجن موسى بن جعفر عليه السلام لقال: لو قطعتم رأسي لا أفعل مثل ذلك، لا ألقيه في السجن، ولكنّا نرى الآن أنّه ليس كذلك، يصل إلى السلطة، يتعلّق بها شيئًا فشيئًا، يتعلّق بالحكومة والأمر والنهي، يرفع من يريد وينزل من يريد، فإذا تعلّق بذلك جيّدًا وجاء الجنود وقدّموا عرضًا عسكريًّا، وجاؤوا إليه وقالوا له: نحن بأمر الخليفة مهما أمر سمعًا وطاعة، من هؤلاء الأوباش الذين يحيطون بالإنسان وهم فاسدون فاسقون فجرة باعوا دينهم رغبة بدنياهم، فيأتون ويتملّقون ويرفعون الإنسان إلى الأعلى مثل البالون الذي يطيّر في الهواء وفجأة ينفجر في الأعلى! فمن هم هؤلاء؟ يأتون شيئًا فشيئًا ويفسدون حالة الإنسان، ويبدّلون له تلك الحالة التي كان عليها قبل عشرين عامًا عندما وصل إلى الخلافة، فليس الأمر بيوم واحد، يقتلون إنسانًا ويقولون: لقد خالفك فلان فاقطع رأسه. لقد خالف فلا بأس لماذا تريدون أن تقتلوه؟! بأيّ حقّ تريد قتل من خالفك؟ هل زنا؟! هل ارتكب ذنبًا؟! هل قتل نفسًا حتّى تقتله؟! خالفك فليخالفك فهل أنت نبيّ؟! هل أنت نبيّ يا هارون؟! هل أنت جبرائيل؟ هل نزل عليك الوحي؟! حسنًا جلست على عرش السلطة فلتجلس ولكن لماذا تقتل من خالفك؟! على أيّ أساس؟! يقتل يقتل يقتل وشيئًا فشيئًا يصل الدور إلى موسى بن جعفر عليه السلام. تتهيّأ هذه النفس ثمّ ماذا بعد ذلك؟ الحمد لله لدينا فقهاء، لدينا أبو حنيفة ويحيى بن أكثم وأمثالهما فيأتون ويقولون لي: حقّك، يجب أن تفعل ذلك! لا بدّ من حفظ الخلافة الإسلاميّة! من يخالف ويشقّ عصا المسلمين ويسبّب تفريق جمع المسلمين ويحملون عليك أمثال هذا الكلام، وأثقالك ليست يسيرة، فيضيفون عليها، وهذه النفس التي هي بنفسها كانت مستعدّة للانحراف، يضيفون عليها حتّى تختمر بشكل جيّد وتشتدّ، حينها تقوى الأهواء وتصبح مستعدّة شيئًا فشيئًا، والآن لنذهب إلى الأساس، والأساس هو إمام الشيعة في المدينة، فلنذهب إلى موسى بن جعفر عليه السلام، فلنذهب إلى موسى بن جعفر عليه السلام فهو النواة الأساس، ماذا جرى حتّى وصل إلى هنا؟! إنّ موسى بن جعفر لا شأن له بك ولا عمل له معك، وموسى بن جعفر نفسه يقول لأصحابه لا تتكلّموا، وموسى بن جعفر هذا يقول لهشام بن الحكم: اصمت لا تتكلّم! وموسى بن جعفر هذا يقول للمعلّى بن خنيس: لا تهلك نفسك! ولكنّه لم يصغ! فجاؤوا وآذوه وآذوا الإمام أيضًا، ولكن مع ذلك كان الناس يأتون ويذهبون ويقولون: كلا يا عزيزي هذا لا يصنع شيئًا ولا خطر له، إنّه جالس في المدينة والناس يأتون ويذهبون وهو يبيّن لهم الأحكام. ولكنّ هارون يقول: أنا لا أحتمل أن أرى أحدًا في مقابلي وقد صار قطبًا والناس يطوفون حوله، أنا الخليفة العبّاسي، أنا حاكم الإسلام، وفي خلافتي العبّاسيّة لا يمكنني أن أرى إنسانًا أمامي. لا يمكنه أن يرى فيقبض على موسى بن جعفر عليه السلام ثمّ يقتله على تلك الحالة وبتلك الطريقة. كيف يمكن للإنسان أن يكون هكذا؟! كيف يمكن للإنسان أن يبلغ هذا المستوى ويقدم على عمل كهذا ويصدر عنه أمر كهذا؟!
