
اشتراك الناس بالأعمال على حسب النوايا
و كيف يمكننا اللحوق بعاشوراء في زماننا؟
كيف صحّ لجابر بن عبد الله الأنصاري أن يقول للإمام الحسين أشهد أنّي كنت معكم والحال أنّه كان في المدينة؟ وما معنى حديث رسول الله من أحبّ قومًا حشره الله معهم؟ وكيف لعن الإمام بني أميّة قاطبة والحال أنّهم لم يشاركوا جميعًا في قتل الإمام الحسين عليه السلام؟ تبيّن هذه المحاضرة ذلك من خلال التأكيد على النيّة وأنّها معيار الثواب والعقاب والطاعة والمعصية.
اشتراك الناس بالأعمال على حسب النوايا
11معناه أنّ علينا أن نلتزم بالحقّ في كلّ مجال وفي كلّ مكان وفي كلّ حكم، فما نرى أنّه حقّ لا بدّ أن نلتزم به، والمكان الذي نرى أنّه باطل علينا أن لا نكون فيه، علينا أن لا نتكلّم بما يوافق الباطل، على اللسان أن لا يتحرّك بذلك، علينا أن لا نقضي بالباطل، علينا أن لا نجعل أنفسنا أعوانًا ومساعدين للظالم، علينا أن نكون إلى جانب الحقّ، علينا أن نتّبع الحقّ ولا نقصّر في ذلك، إن كان التكليف يقتضي أن نتكلّم فلنتكلّم بالحقّ، وإن كانت الأحداث تريد أن تسوقنا إلى الباطل فعلينا أن نقف في مواجهتها ولا نسلّم للباطل ونظلم، فهذه هي حالة جابر بن عبد الله الأنصاري بالنسبة إلى واقعة عاشوراء، فإن كنّا كذلك فهذا هو المطلوب مهما كانت النتيجة وإلى أيّ موضع انتهى بنا الأمر، وإن لم نكن هكذا فقد وضعنا خمسة بالمائة من رأس المال أو عشرة بالمائة رأينا فيها مصلحة فتكلّمنا، وفي موضع آخر لم نرَ مصلحة بل يمكن أن تؤدّي إلى الضرر، فسكتنا في المكان الذي لا بدّ أن نتكلّم فيه وأمسكنا ألسنتنا، ورغم كلّ ما كنّا ولا زلنا نرتجزه للنّاس طوال هذه المدّة فقد تراجعنا في الوقت الذي علينا أن نقدم فيه، وها نحن ندوس على ما كنّا نقوله، ولا نرتّب أثرًا على ما نعتقد به.
فما هذه الحالة؟ إنّها الخسارة، يخسر الإنسان ويرسب في الامتحان ويرفض، نعم نحن لا شأن لنا بما يُحكم علينا به وما سيقوله الناس وما سيكوّنونه عنّا من تصوّرات في أذهانهم وكيف يحكمون على من دعا الناس إلى العدل سنوات متمادية والآن اختبأ ولبس لباس العافية. فالناس يدركون جيّدًا، الناس يحدّدون جيّدًا، والناس ينظرون إلى الأحداث ويميّزون بين الادّعاء وبين الحقيقة، حتّى الأطفال يمكنهم ذلك فكيف بالكبار؟ حسنًا لا شأن لنا بالناس ولكن ماذا نصنع بوجداننا نحن بيننا وبين الله؟ وما هو موقفنا أمام وجداننا وأمام الله؟! فلنفترض أنّه لا يوجد أيّ إنسان، لا يوجد أناس يحاكموننا ويقولون هؤلاء جميعهم من نوع واحد وأمثال هذا الكلام وأنّهم فارغون لا يملكون شيئًا وقد رأينا ما يجب أن نرى، فلنفترض أنّه لا يوجد أحد أليس الله موجودًا؟ أليس هناك وجدان؟! أليس هناك غدٌ ينتظرنا؟ أليس هناك يوم قيامة؟ وهكذا الزمان يجري فيأتي يوم ويمضي؟ ما دام جابر يقول: أشهد الله أنّي كنت معكم وفي جميع الأحداث فهذا يعني أنّي وقفت أمام جيش يزيد وأمام جيش ابن زياد، وأمام جيش ابن سعد، وأنا أرى تلك الأحداث في وجودي. فانظروا إنّ جابرًا لم يصنع شيئًا، لقد جلس في داره في المدينة ولكن كيف يقول ذلك؟ ما هو لسان حاله؟! هذا ما أقوله أنا بنفسي في شرح وتوضيح وتفسير كلام جابر هذا الذي قال: سمعت حبيبي رسول الله يقول: «من أحبّ قومًا حشره الله معهم ومن أحبّ حجرًا حشره الله معه».
