
ضرورة تعميق معرفتنا بالله وبمقام الولاية
شرح دعاء أبي حمزة الثمالي – سنة 1426 هـ ق - الجلسة الثامنة
هل تكفي المعرفة العامّية بالله وبعوالم الربوبيّة ومقام الولاية أم لا بدّ من معرفة أعمق؟ وهل هناك فائدة من التعمّق بذلك أم لا؟ وما هي تلك الفائدة إن وجدت؟ هل مستويات الجنّة واحدة بالنسبة إلى الأنبياء والأولياء والعوام أم أنّها تختلف باختلاف مستويات معارفهم؟ ما هو دور الفلسفة والعرفان في زيادة المعرفة بالله وأوليائه؟ تبحث هذه المحاضرة حول هذه المواضيع من خلال شرح فقرة: معرفتي يا مولاي دليلي عليك من دعاء أبي حمزة.
ضرورة تعميق معرفتنا بالله وبمقام الولاية
2أعوذُ بِاللَه مِنَ الشَّیطانِ الرَّجیم
بِسمِ اللَه الرَّحمَنِ الرَّحيم
و صلَّی اللَه عَلَی سيّدنا و نبيّنا أبي القاسم مُحَمّدٍ
و على آله الطّيبين الطّاهرين و اللعنة عَلَی أعدائِهِم أجمَعينَ
هل تكفي المعرفة العاميّة بالله بعوالم الربوبيّة؟
«مَعرِفَتي یا مَولاي دَلیلي عَلَيك وَ حُبّي لَك شَفيعي إلَيك»
ذكرنا في الليالي السابقة وخصوصًا ليلة أمس للرفقاء أنّ الذين يرون أنّ معرفة الله وعالم الوجود والأسماء والصفات والإلهيّة بأكثر من هذا المقدار المتعارف العرفيّ والعاميّ لا فائدة منها، كم هم سائرون في طريق خاطئ وضالّ! وليسوا فقط أنفسهم يُضلّون، بل هم يسوقون معهم خلقًا عظيمًا إلى الضلال الضياع والهلاك! والدليل على ذلك واضح أيضًا، الدليل هو أنّ تصوّر هؤلاء الأفراد عن النعم الإلهيّة هو تصوّر سطحيّ وبسيط، فهؤلاء يظنّون أنّ الجنّة عبارة عن هذا التفّاح والإجّاص والعنب والتمتّع بالنعم الإلهيّة بهذه الطريقة من التمتّع الغريزيّ الذي يتمتّعون به في هذه الدنيا، أن يكون طعامهم لذيذًا، ولباسهم ثمينًا قيّمًا، وحياتهم مرفّهة، واستمتاعهم بالغرائز الماديّة والغرائز النفسيّة كاستمتاع الحيوانات، وفي هذه الحدود لا أكثر. ولا يشغل أفكارهم وعقولهم إلا هذه الأمور، وهم يظنّون أنّ يوم القيامة هو هكذا أيضًا.
حسنًا إن كان لا بدّ أن تكون النعم الإلهيّة يوم القيامة هكذا فلماذا يميتنا الله ثمّ يحيينا؟! فهنا يوجد من هذا التفّاح والإجّاص والبرتقال واليقطين والبطّيخ، لقد كانت في هذه الدنيا. نقول إنّها ألذّ، حسنًا فقد كان بإمكان الله أيضًا أن يعدّ هنا ما هو ألذّ أيضًا، فبالنسبة إلى الله ماذا يحتاج ذلك؟! التفّاح في ذلك العالم ألذّ منه في هذا العالم، حسنًا فلنضف قليلاً من موادّه هنا ولنعدّل نسبة الأسمدة والضوء بما يكفي ونهتمّ به فإنّه سيكون ألذّ، فلماذا الجنّة؟!
ما معنى فلسفة الجنّة إذن هنا؟ إن كان لا بدّ أن يكون جميع الناس ابتداء من الذي لا يميّز الهرّ من البرّ وانتهاء بالرسول الأكرم جميعًا على درجة واحدة من الاستفادة من المواهب الإلهيّة فما الفرق إذن بين رسول الله وبيننا نحن؟! ما الفرق بين ذلك العاميّ وذلك الذي يسير في عوالم لا يرقى إليها عقل أيّ إنسان؟ فما الفرق بينهما إذن؟ إلى أين يذهب هؤلاء؟ إلى أين يتوجّهون في طريقهم؟ وهل هم أنفسهم يدركون ما يقولون؟! هؤلاء الذين يقولون إنّ المعرفة الإلهيّة محدودة ولا تحتاج إلى تفكّر وتأمّل وغور واطّلاع على المعارف بأكثر من هذا المقدار المعتاد والطبيعيّ المتعارف والعاميّ، فهذا يعلمه الجميع، النساء تعلمه والرجال، الأطفال يعلمونه والكبار، الجاهلون يعلمونه والعلماء، الجميع في مستوى واحد، في النهاية هم يقولون إنّ هناك إلهًا، هناك إلهًا، كما لو فرضنا أنّ إنسانًا لا يعرف التيّار الكهربائي، فيقولون له: هناك شيء ما في هذه الأسلاك. فنحن لا نعرفه إلا بمستوى أنّه إن كان موجودًا اشتغلت هذه المروحة والأجهزة وهذا المكبّر للصوت وأمثال ذلك، فبهذا الحدّ نحن نعرف، أمّا كيفيّة ذلك فلا علم لنا بها. فليكن فماذا ينفعنا علمنا بذلك؟! هؤلاء يقولون إنّ مستوى معرفة الإنسان عن العوالم الربوبيّة أصلاً لا تحلّ لنا مشكلة، كيف هو عالم المشيئة الإلهيّة؟! وكيف هو عالم التقدير؟ وكيف هو الارتباط بين الله وبين العباد؟ وكيف يفيض العلم على الخلائق؟ وكيف يتحقّق الرزق؟ وكيف تسبّح الموجودات؟ يقولون: ماذا يفيدنا ذلك؟ ما فائدة ذلك؟ ما نتيجة ذلك؟ لقد قال الله تعالى: صلّ صلاة الصبح ركعتين. فنحن نصلّي ركعتين، وبهذا يرتفع التكليف ونضمن لأنفسنا الجنّة، أفهل يتمكّن أحد أن يسلبها منّا؟! قضي الأمر وانتهى. حسنًا لقد ضمنتم الجنّة لأنفسكم بهاتين الركعتين، ولكنّ الكلام هو في أنّ الجنّة هل هي هذه فحسب؟! إن كانت الجنّة هي مجرّد التفّاح والإجّاص إن لم تذنبوا، الجنّة هي فقط التفّاح والإجّاص والجبن والجوز والخضار والخبز واللفت والشمندر وأمثال هذه الأمور ﴿وَ فِيهٰا مٰا تَشْتَهِيهِ اَلْأَنْفُسُ وَ تَلَذُّ اَلْأَعْيُنُ﴾۱ وأنّ الله يعطي الإنسان هناك ما يطلبه هنا… [فهي لا تليق بالإنسان]
- سورة الزخرف، الآية ٧١
