
مقدمة كتاب شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ
بقلم نجل المؤلف
مقدمة كتبها آية الله السيد محمد محسن الطهراني لكتاب شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثمالي، و هو عبارة عن تدوين لمحاضرات والده العلامة الطهراني رضوان الله عليه. وجدير بالذكر أن نفس آية الله السيد محمد محسن قد بشرح هذا الدعاء كذلك شرحا موسعا عبر سنوات عديدة في ليالي شهر رمضان المبارك.
مقدمة كتاب شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ
2أعوذُ بالله منَ الشيطانِ الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين
ولعنةُ الله على أَعدائِهم أجمَعين
الحمد والثناء اللامتناهيان للذات الإلهيّة المقدّسة التي أخرجت ـ عن طريق ظهور الكلمات الوجوديّة ـ عالمَ الإمكان من كتم العدم إلى ساحة الوجود؛ وخَلَعت أثناء ذلك على طائفة بني آدم خلعة التخلّق بأخلاق الله تعالى والاتّصاف بالصفات الربوبيّة العليا؛ والصلاة والسلام الدائمين المتتالين على الأنبياء الكرام والرسل العظام الذين تحمّلوا أعباء الرسالة، ليقودوا النفوس المستعدّة نحو أفق الوحدة والتجرّد؛ لا سيّما حضرة النبيّ الخاتم والسادة المعصومون صلوات الله عليهم أجمعين الذين خُتمت بوجودهم المبارك بعثة الأنبياء والرسل الإلهيّين، وتحقّقت بكلماتهم وسيرتهم مكارمُ الأخلاق وحقائقُ الإيمان في أعلى درجات الفعليّة والظهور.
لعلّنا نستطيع القول: لا يُمكننا العثور في وسط الأدعية المأثورة عن السادة المعصومين عليهم السلام على دعاء يصل إلى مستوى دعاء أبي حمزة الثماليّ المنقول عن الإمام السجّاد عليه السلام من حيث الجامعيّة؛ إذ يحتوي هذا الدعاء على مسائل دقيقة وعميقة في بيان شؤون العباد وأوصافهم، وشرح أحوالهم، وتسليط الضوء على كيفيّة ارتباط المخلوقات بربّها في مقام العبوديّة.
ففي هذا الدعاء، تطرّق الإمام عليه السلام ـ من دون كتمان أو غموض بل بشكل صريح وجليّ ـ للخصائص الروحيّة للعباد، وكيفيّة تصرّفهم وكلامهم وتفكيرهم، حيث تناول هذه الخصائص بالبحث والتحليل ومن أبعاد مختلفة، مبيّنًا في ضمن ذلك علل ظهورها في نفس الإنسان وذهنه. وقد خاض الإمام السجّاد في هذه المسألة ـ التي تُمثّل أهمّ مسألة في كيفيّة سير الإنسان وسلوكه نحو الله تعالى ـ بنحوٍ يخال معه الإنسانُ أنّ القارئ هو بعينه المخاطب بهذه العبارات والكلمات؛ فلم يدع عليه السلام لهذا القارئ أيّ مجال للخروج عن دائرة مصاديق تلك المفاهيم.
وفي هذا الدعاء، يُدرك الإنسان أيّ موجود يكون هو، وما هو موقفه أمام عظمة الله تعالى، وكيف يُمكنه تحقيق الارتباط بخالقه طبقًا لهذه الظروف والأحكام.
ويتحدّث الإمام عليه السلام في هذا الدعاء ـ من دون مواربة بل بشكل صريح ـ عمّا يقتضيه مقامُ البشريّة أثناء مخاطبة الله تعالى من الأخطاء، والزلاّت، والمعاصي، وغلبة الأهواء النفسانيّة والوساوس الشيطانيّة، وتسلّل الرغبات الدنيويّة، ورسوخ التعلّقات الماديّة في فكر الإنسان وذهنه ونفسه وضميره؛ محذّرًا هذا الإنسان من عواقب هذه العيوب والعصيانات وتبعاتها.
