
مرتبة الذنوب والطاعات في عالم المثال
شرح دعاء أبي حمز الثمالي - الجلسة الثامنة
ما هي مراتب عالم المثال؟ وفي أيّة مرتبة منها تتحقّق الذنوب والطاعات هل في المثال الأدنى أم الأعلى؟ وكيف يساعد ذلك في فهم كلام الإمام عليه السلام؟ وهل كانت لدى الإمام نوايا سيّئة بعد الفراغ عن عدم وجود أعمال خارجيّة سيّئة؟ تتمحور المحاضرة حول هذه الأسئلة وتقف عند السؤال الأخير، ولكنّها تتعرّض في الأثناء إلى أبحاث أخرى من قبيل: تعامل الأئمّة عليهم السلام والأولياء رضوان الله عليهم على أساس الظاهر وعالم المثال الأدنى تقيّة الأئمّة من المحيطين بهم من أمثال أبي حنيفة علم الإمام عليه السلام
مرتبة الذنوب والطاعات في عالم المثال
21فإذن وبناء على ما تقدّم اتّضح حقيقة معيّنة، وهي أنّ الإمام السجّاد لا يمكنه أبدًا أن يقول للّه إنّي شربت الخمر وأمسكت بالكأس، فهذا باطل، والإمام لا يمكن أن يقول لقد صدر منّي هذا العمل الخارجيّ الذي يمكن لآلة التصوير أن تلتقطه، لا يمكن أن يكون الأمر هكذا، لأنّ هذا العمل لم يحصل، هل يمكن للإمام مثلاً أن يقول لواحد: لقد كنت أمس في منزلك والحال أنّه لم يكن في منزله؟! كلاّ لا يمكن، لأنّ المجيئ إلى المنزل عمل خارجيّ لم يتحقّق. نعم يمكنه أن يقول: كنت ناويًا أن آتي إلى منزلك ولكن طرأ مانع فلم آت. أمّا المجيء إلى المنزل فيعني أنّه حرّك هذه الأرجل وخطا الخطوة الأولى والثانية والثالثة ثمّ وصل إليه، وهذا العمل الخارجيّ لم يقم به الإمام، حتّى لو قال الإمام: «إذا رأيت مولاي ذنوبي». ولكنّه لا يمكن أن يقول: لقد قمت بهذا العمل الخارجيّ بعينه. لماذا؟! لأنّ هذا كذب، والإمام لا يكذب، هذا الكلام كذب، هل يمكن للإمام أن يقول: لقد خطوت برجليّ وجئت إلى منزلك والحال أنّه لم يأت؟! لا يمكنه ذلك، ولكنّ الإمام مع ذلك يقول: لقد أذنبت، أَنْظُرُ إلى ذنوبي. أمّا أن أنظر إلى الذنوب التي لم أرتكبها فهذا ليس بشيء، الذنوب التي لم تتحقّق لا فزع منها ولا جزع. فلا بدّ إذن أن تكون الذنوب قد ارتكبت، ولا شكّ أنّ مراد الإمام عليه السلام في هذه الفقرات وكذلك في الفقرات التي اللاحقة التي يقول فيها: «أنا الذي على سيّده اجترى أنا الذي عصيت جبّار السما أنا الذي أعطيت على معاصي الجليل الرشا» أمر غير العمل الخارجيّ، فهذه المعاصي والذنوب التي يتحدّث عنها الإمام ليس المقصود منها عين العمل الخارجيّ الذي يمكن لآلة التصوير أن تلتقطه، لأنّ من الخطأ أن يقول لله إنّي قمت بهذا، فالله يقول: متى قمت بذلك! أو آلة التصوير التي يضعونها للإنسان من الصباح حتّى المساء فتسجّل له من حين خروجه من المنزل حتّى يرجع، تسجّل ساعتين، فما فعله الإنسان خلال هاتين الساعتين واللقاءات التي قام بها مع الناس، وخلال ذهابه وإيابه لم يقم في أيّ منها بدفع رشوة لأحد، فلو شاهدت الفيلم المسجّل لا تجد في أيّ منها رشوة، لقد ذهب الإمام وتحدّث مع رجل، ومشى ولا رشوة في أيّ منها، لم يخرج مالاً من جيبه ويعطه لأحد ولا قال لأحد: اذهب يا فلان إلى فلان وارتكب محرّمًا وخذ هذا المال، وقد سجّلت آلة التصوير كلّ حركته فهل يمكن للإمام أن يقول: لقد أعطيت اليوم رشوة على المعاصي الجليلة؟ إنّك لم تعط، وآلة التصوير هذه قد صوّرت، فلماذا تقول إنّي فعلت ذلك؟! فأنت لم تفعل ذلك. فالمقصود من هذه الفقرة إذن ليس الفعل الخارجيّ للذنب، بل العمل الباطنيّ هو الذنب، وهو العمل الذي يعود إلى النفس والنيّة، وهو النيّة الباطلة المرافقة للإنسان سواء أقدم الإنسان على العمل الخارجيّ أم لم يقدم، فإنّ تلك النيّة الباطلة تعدّ رشوة، ذلك العمل الباطل الذي يعدّ ذنبًا، ذلك العمل الباطل الذي يعدّ تجرؤًا على المولى ويسمّى ذنبًا، ولا يطلق الذنب على ذلك العمل الخارجيّ، وسنتحدّث عن هذا الأمر من الآن فصاعدًا، وقد بلغت الساعة الآن الحادية عشرة والنصف والسيّد لا يتوقّف، وإذا ما رأى أنّ هؤلاء المساكين الذين لديهم أهل وعيال ينتظرونهم فهو لا يتوقّف، اللهمّ إنّي أخاف أن يعدَّ ذلك ذنبًا بعد هذا الوقت لأنّه يسبّب دعاء الآخرين عليّ، فنقف عند هذا الحدّ ولا نسمح لأنفسنا بأذيّة الرفقاء، وإن شاء الله نحن موجودون في الليالي القادمة لنرى ماذا يقدّر الله لنا.
