
دور الدعاء في علاقة الإنسان بربّه وبوالديه وبالمؤمنين
شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ – الجلسة العاشرة
ما هي حقيقة الذكر؟ لماذا يجب الرفق في العبادة؟ هل الأفضل الانشغال بذكر الله تعالى، أم بذكر غيره؟ ما هي الآثار المعنويّة للحجّ؟ ما هو السرّ في لزوم الصلاة على محمّد وآله الطاهرين؟ لماذا يجب الدعاء للوالدين وللمؤمنين والمؤمنات؟ ما هو معنى حُسن الخاتمة؟ وما هي الوقاية التي يجب على الإنسان طلبها من الله تعالى؟ هي تساؤلات في ضمن تساؤلات أخرى سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ الشريف.
دور الدعاء في علاقة الإنسان بربّه وبوالديه وبالمؤمنين
16«إنَّ أفضل الشهور وأفضل الأيّام وأفضل الساعات هي حينما يرتحل الإنسان عن الدنيا فائزًا مفلحًا»۱.
سواء كان ذلك في شهر رمضان، أو شوّال، أو ذي القعدة؛ وسواء كان ذلك في يوم الجمعة، أو السبت؛ ليلاً أو نهارًا، فلا يهمّ؛ لأنّ المهمّ هو أن تكون شهادة النجاح بيد الإنسان؛ وأمّا إذا رحل هذا الإنسان عن الدنيا ولم يكن قد حمل معه هذه الشهادة، ففي أيّ شيء سيُفيده كلّ ذلك؟!
«وَاختِم لِی بِخَیرٍ»؛ أي: اجعل عاقبة أمورنا خيرًا، فلا تظلّ جهودنا التي بذلناها في الدنيا حبيسة هذا العالم، وليمسَّ أعمالَنا شيءٌ من طعم محبّتك، لكي تتحرّك هذه النفوس الثقيلة والمتعبة نحو عالم القُرب.
«وَاکفِني مَا أَهَمَّني مِن أَمرِ دُنیاي وَآخِرَتي»؛ وتكفّل أنت بكافّة الأمور الملقاة على عاتقي؛ سواء كانت أمورًا دنيويّة أو أخرويّة.
فأنا لستُ بذلك الذي يستطيع النهوض بأعباء الدنيا، ويُوكِل إليك الأمور الأخرويّة؛ كلاّ، بل أنا عاجز حتّى عن الأمور الدنيويّة؛ أي أنّ حكم كلّ من الأمور الدنيويّة والأمور الأخرويّة واحد، وكلاهما متعلّقان بك أنت، من دون أيّ فارق؛ إذ لا معنى لوجود أمرٍ شاقٍّ، وآخر يسير بالنسبة لأسمائك وصفاتك، ولا معنى لوجود علم كبير وآخر صغير؛ كما لا فرق هناك بين أمور الدنيا وأمور الآخرة؛ فكلّ ذلك يسير عليك، وجميعُه بيدك؛ فلا يوجد شيء من ذلك بيد غيرك، لكي نطلب أمور الدنيا من الدنيا، ونطلب منك أنت أمور الآخرة؛ لأنّ هذه الأمور بأجمعها مملوكة لك أنت؛ فاكفنا جميع ذلك!
«وَلَا تُسَلُّط عَلَیّ مَن لَایرحَمُني».
سواء كان نفسًا أمّارة، أو شیطانًا، أو حاكمًا ظالمـًا، أو أيّ شيء آخر لا يرحمني، حيث إنّ أشدّ الأمور التي لا ترحم الإنسان هي نفسه؛ والتي هي مصدر جميع المصائب التي تحلّ برأسه، ومنشأ كافّة النكبات وأنواع الشقاء، والمعيشة الضنك٢، وعماء القلب، والمشاكل المعنويّة التي يبتلى بها في الدنيا؛ فلا تُسلط عليَّ هذه النفس يا ربّ؛ هذا، مع أنّها لا تفنى، بل تظلّ موجودة؛ لكنّني أسألك أن تجعلها تستسلم، وأطلب منك أن تُكبّلها بالقيود، وتُوفّقني للتغلّب عليها في المجاهدة، فتستسلم لي، ولا تغلبني!
- المواعظ العدديّة، ص ٢۰٩، مع اختلاف يسير.
- معرفة المعاد، ج ٥، ص ۱٦۱:
«المعيشة الضنكى هي المعيشة الشاقّة العسيرة المقرونة بالابتلاء، وهي عاقبة الإعراض عن ذكر الله سُبحانه. ومهما امتلك الإنسان أموالًا وثروة طائلة، إلّا أنّ حياته مقرونة بالقلق وتشويش البال والابتلاءات وانعدام بركة العمر والثروة والولد، إذ يبتلى المرء بضغط الاضطرابات الروحيّة وهجوم الخواطر المزعجة والأفكار الشيطانيّة.
و لعلّه يمتلك قدرة وإمكانيّة وثروة تعادل الملايين، إلّا أنه لا يتمكّن من تناول طعام هانئ بلا تشويش، ولا أن ينام نوماً مريحاً بفراغ بال، أو يتنفّس نفساً مريحاً هادئاً، وهذا كلّه من نتائج الإعراض عن ذكر الله تعالى. إنّ من يُعرض عن الارتباط بالله وذكره سبحانه، ويشيح عن الاعتماد عليه تعالى؛ فإنّ معيشة الدنيويّة تتمخّض بالمحن والمصائب».
