
أهميّة التوجّه إلى النفس في السير والسلوك
ما هي أهمّيّة التفات الإنسان إلى عيوبه ونقائصه وانشغاله بذلك عن عيوب الآخرين في تكامله ؟ وما مدى انعكاس ذلك على سيره وسلوكه إلى الله ؟ سعت هذه المحاضرة للإجابة على ذلك من خلال شرح حديث أمير المؤمنين صلوات الله عليه: (كفى بالمرء شغلاً بمعايبه عن معايب الناس) مع عرض نماذج تطبيقيّة مستفادة من سيرة أولياء الله كالعلاّمة الطباطبائي والعلاّمة الطهراني (قدس سرهما ).
أهميّة التوجّه إلى النفس في السير والسلوك
2أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وأنا في طريقي إلى هنا، خطر على بالي أن أتكلّم حول إحدى الروايات، وهي رواية لطيفة مروية عن المعصوم عليه السلام، تقول الرواية: «كفى بالمرء شغلاً بمعايبه عن معايب الناس »۱ أي: إنَّ من يلتفت إلى ما عنده من نقص، وإلى درجة جهله وعدم كماله، وعدم امتلاكه للمعرفة، فلا بدَّ له ـ شاء أم أبى ـ أن يشتغل بأمور نفسه، ويمتنع من البحث عن الآخرين والتفتيش في أحوالهم.
كلام العلّامة الطهراني حول ضرورة التفات الإنسان إلى نفسه
تحدّث المرحوم العلاّمة في أواخر أيّام حياته لأصدقائه يومًا عن موضوع ضرورة اشتغال المرء بأمور نفسه وقال: إنَّ السالك هو ذلك الذي يُغمض عينيه عن عيوب الآخرين في سيره نحو الله، ويشتغل بنفسه وبأموره فقط، مَثلُه في ذلك مَثَل الطالب الذي يعيش فترة الامتحانات النهائيّة والذي لا يسعى وراء شيء غير حصوله على نتيجة جيّدة، ويبذل قصارى جهده في الدراسة من أجل أن يحصل على نتيجة مرضيّة. هل رأيتم منْ لم يتبقَّ له على حلول الامتحانات سوى أسبوع؟ فلو كان ترك الدراسة، وذهب ليطرق باب هذا وذاك من زملائه في المدرسة ليسألهم: كم كتابًا قرأت؟ وما هو مقدار استعدادك للامتحان؟ سيُقال عن مثل هكذا إنسان إنّه لا نصيب له من العقل؛ فحينما لا يبقى لوقت الامتحان سوى أسبوع واحد، فزيارة الأصدقاء وتفحصّ أخبارهم هو عمل أبله. قال المرحوم العلاّمة: إنَّ حال سالك طريق الله هو مثل حال من سيذهب لأداء الامتحان في الصباح والذي يكون عليه أن يجتهد من الليل وحتى الصباح لكي يكون مستعدّاً للامتحان.
نمط سلوك العلّامة الطباطبائي في النجف
عندما كان المرحوم العلّامة الطباطبائي في النجف الأشرف كان يتعرّض للانتقاد كثيرًا فكانوا يقولون: لماذا يطرق برأسه إلى الأرض عند خروجه من المسجد ولا يتفرّج على المحلات التجارية وعلى المارّة؟ولماذا لا يسلّم على الناس ولا يجاملهم ولا يجالسهم ولا يذهب هنا وهناك؟! فكان يكتفي بالذهاب إلى المدرسة والعودة إلى البيت أو الذهاب إلى الحرم لغرض المناجاة. كانوا يقولون عنه بأنَّه لا يُشارك الناس في المناسبات الاجتماعيّة ولا يجاملهم، وكانوا ينظرون إليه على انّه يرى نفسه وكأنَّه متميّز عن بقيّة الناس. كان المرحوم العلاّمة يقول: إنَّ أولئك الناس ضعاف الفكر لا يعلمون ما هو الألم الذي يعاني منه العلامة الطباطبائي ؟! وبأيّ نقص يشعر، ذلك النقص الذي يجعله يشتغل بنفسه فقط.
- غرر الحكم ودرر الكلم جلد ۱ص٥٢۱
