
أهميّة التوجّه إلى النفس في السير والسلوك
ما هي أهمّيّة التفات الإنسان إلى عيوبه ونقائصه وانشغاله بذلك عن عيوب الآخرين في تكامله ؟ وما مدى انعكاس ذلك على سيره وسلوكه إلى الله ؟ سعت هذه المحاضرة للإجابة على ذلك من خلال شرح حديث أمير المؤمنين صلوات الله عليه: (كفى بالمرء شغلاً بمعايبه عن معايب الناس) مع عرض نماذج تطبيقيّة مستفادة من سيرة أولياء الله كالعلاّمة الطباطبائي والعلاّمة الطهراني (قدس سرهما ).
أهميّة التوجّه إلى النفس في السير والسلوك
5نموذجان من تلامذة السيّد الحدّاد (قدّس سرّه)
لقد عشت هذه التجربة بكلّ حذافيرها في عهد المرحوم السيّد الحدّاد رضوان الله عليه، وقد كان عمري بحدود السابعة عشر أو الثامنة عشر عندما التقيت به في هذه المرّة، فأنا لم ألتق به بعد سنّ الثامنة عشر؛ ففي ذلك السفر الذي تشرفت فيه بالذهاب إلى كربلاء، شاهدت كيف يقوم بعض تلامذته بالتكلّم عن هذا وذاك على الدوام؛ فيقولون هكذا هو وضع فلان من الناس؛ انظروا كيف يسير في الطريق المعوج، كما وأنَّ فلانًا وفلانًا هم هكذا. أمّا فيما يتعلّق بالمرحوم العلاّمة، فلم أرَ منه مثل هذه الأشياء. كان المرحوم الوالد التلميذ السلوكي للمرحوم الحدّاد رضوان الله عليهما، وكنت أرى كيف كان يجلس أمام السيّد الحداد جاثيًا على ركبتيه وبكلّ أدبٍ، وكلّه آذان صاغية لما يقوله، فكأنّما قد وضع كلّ وجوده تحت تصرّف السيّد الحداد. لو كان الأمر يتطلّب التدخّل في شؤون الآخرين، لكانت الأولوية لوالدنا؛ فهو يمتلك تلك اللياقة؛ إذ إنَّه عالمٌ من جهة، وهو على اطلاع بما يجري، غير أنَّني كنت أرى بأنَّ كلّ هدفه كان يتمثّل في الحضور لدى السيّد الحداد والاستماع لما يقوله، ويتوجّه بكافة حواسه نحوه، ثمّ كنت أرى كيف أنَّه كان يكتب ملاحظاته، وكما نرى اليوم كيف توجد مذكرات مكتوبة بخطه يقول فيها: سمعت من المرحوم الحدّاد كذا وكذا، أو نشاهد مذكرات فيها حكاياتٍ أو مواعظ أخلاقية أو كلمات عرفانية [عن المرحوم الحدّاد]. لماذا كان يفعل ذلك. إنَّه يفعله لكونه كان صاحب ضالّة يبحث عنها، وكان يعاني من مرض يبحث عن علاج له، نعم، كان يقظًا وضنينًا بنفسه ولا يهمل ما يعاني منه من مرضٍ وألم. أمّا فيما يتعلّق بالآخرين، فلم يكونوا كذلك، بل كانوا يشتغلون على الدوام بما يفعله هذا وذاك، وبما يقوله هذا وبما يتكلّم به ذاك في غياب هذا.
هذا ما كان يعاني منه ذلك الشخص الذي ذكره المرحوم العلاّمة في كتاب الروح المجرّد والذي كان المرحوم الحدّاد قد طرده إلى الأبد. إنَّ هذا الشخص غير مؤهّل لطيّ طريق السلوك، ولم يكن يلتفت إلى عيوبه ونقائصه. فنرى كيف يطوي المرحوم العلاّمة الطريق ويصل إلى أقصى درجات الكمال ويصبح عارفًا، وتصبح كلّ كلمة يقولها، وكلّ عبارة يتفوّه بها إشارة ومنبّها وتذكيرا للآخرين، أمّا ذلك الشخص، فيتمّ طرده في نهاية المطاف ويسقط في جهنّم وفي وادي الهلاك. فهذا يصبح بهذا الشكل، وذاك بذلك الشكل. إنَّ كلّ ذلك هو بمثابة العِبرة لنا، وهو إشارة تنبيه لنا.
