
أهميّة التوجّه إلى النفس في السير والسلوك
ما هي أهمّيّة التفات الإنسان إلى عيوبه ونقائصه وانشغاله بذلك عن عيوب الآخرين في تكامله ؟ وما مدى انعكاس ذلك على سيره وسلوكه إلى الله ؟ سعت هذه المحاضرة للإجابة على ذلك من خلال شرح حديث أمير المؤمنين صلوات الله عليه: (كفى بالمرء شغلاً بمعايبه عن معايب الناس) مع عرض نماذج تطبيقيّة مستفادة من سيرة أولياء الله كالعلاّمة الطباطبائي والعلاّمة الطهراني (قدس سرهما ).
أهميّة التوجّه إلى النفس في السير والسلوك
3إنَّ ذلك الذي يخرج من بيته ولا همّ له سوى التفرّج على هذا المكان وذاك، ومجاملة الناس ويقضي وقته بالبطالة، هو رجلٌ غافلٌ عمّا لديه من مرض، وهو مثل ذلك الذي تمّ تخديره والذي مهما عُمل به فهو لا يشعر. فإنَّ من يعاني من المرض يراجع الطبيب ولا يقضي وقته في الجلوس مع الآخرين، و من يرى نفسه يعاني من النقص والجهل، لا ينشغل بأمور غيره، ولا بالنظر إلى هنا وهناك، بل تراه يسعى لعلاج نفسه، ويسعى لرفع النقص عنها.
لقد كنَّا نشاهد في عهد المرحوم العلاّمة كيف أنَّ البعض ـ وللأسف ـ كانوا لا يقتنعون بالانشغال بما لديهم، بل تراهم ينتقدون الآخرين على الدوام، وكانوا يبحثون عن أحوال غيرهم، ويفتّشون فيها، وتراهم يُعظّمون أمرًا ما، ويُحقّرون الأمر المهمّ. إنَّ مثل هؤلاء الناس هم ممن ليس لديهم ضالة، فمن تكون له ضالة، ومن يشعر بالنقص، فهو يشتغل بأمر نفسه، ولا شأن له بما يقوله الآخرون، ولا بما يفعلونه من عملٍ باطل. نعم إن اقتضى التكليف أن يقوم الإنسان بالتنبيه، فهذا موضوع آخر، ولا بدَّ له من التنبيه، أمّا أن يقوم أحدهم بتتبّع ما يفعله هذا، وأين يذهب؟ وما هي عقيدته؟ فإنَّ كلّ ذلك يعكس البعد عن الطريق والاشتغال بالغير. فترى كيف يمرّ عليه هذا اليوم واليوم التالي والذي بعده ويمرّ عليه الشهر وهو يمضي وقته بالدوران دون أن يطوي شيئا من الطريق، مَثَلُه في ذلك مَثَل الدابة التي يغطّون عيونها ويجعلونها تدور حول نفسها من الصباح وحتى الليل وهي تظنَّ أنَّها قد قطعت مسافة. إنَّ طريق الله يتمثّل في اشتغال الإنسان بنفسه، ونكران الذات والتفكّر في المستقبل ورفع ما يعاني منه من نقص وتحصيل المعرفة، والسعي لفتح وانفتاح أبواب الرحمة، ورفع حجب الجهل التي تفصل بينه وبين الله.
إنَّ عبارة أمير المؤمنين عليه السلام العجيبة التي قال فيها: كفى بالمرء أن يشتغل بعيوبه عن عيوب الناس هي من أجل إيقاظ الإنسان والقول له: يا ابن آدم، إنَّك وما دمت لم تصل إلى الكمال والمعرفة بعد، ولا زلت أسيرًا لعالم الجهل، فالمفترض بك والمُستحسن منك أن تعالج مرضك أولًا، ثم تسعى لعلاج غيرك، فعليك أن تهتم بما يعنيك من تحصيل المعرفة أولًا، ثمّ تسعى وراء ما يهمّ الآخرين
