
الدعاء بين المجاز والحقيقة
شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ – الجلسة السابعة
في هذه المحاضرة التي عقدها سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ، سعى بدايةً إلى بيان السرّ في عدم إمكانيّة اعتماد الإنسان على أعماله، ثمّ تحدّث عن حقيقة الإحسان الإلهيّ الذي يتوجّب على الإنسان الاتّكال عليه، وبيّن أنّ المجاز هو قنطرة للوصول الحقيقة، مشيرًا إلى دور التعاليم الشرعيّة في وصول الإنسان إلى المقامات العالية، ثمّ تكلّم عن مقدار سعة الرحمة الإلهيّة في مقابل أعمال الإنسان السيّئة، مبيّنًا في ضمن ذلك كيف يُربّي الله تعالى الإنسان بواسطة يدي جماله وجلاله؛ ليخلص في الأخير إلى أنّ اليأس رأس جميع الذنوب.
الدعاء بين المجاز والحقيقة
3فالأدعية التي كان الأئمّة عليهم السلام يقرؤونها، وهم يبكون ويتضرّعون ويُناجون الله تعالى بقولهم: «أنا كذا، أنا الضعيف، أنا المذنب، أنا المستحقّ للعقاب، وإنّ كرمك هو الذي أخذ بيدي» لم تكن في مقام التعليم والتربية، وليس من أجل تعليم الآخرين هذا الأمر، ولا من باب التصنّع، بل إنّ مقتضى حالهم كان بهذا النحو، ووضعهم الحقيقيّ كان على هذه الشاكلة؛ وذلك لأنَّه كلّما ازداد علم الإنسان ومعرفته، انكشفت له قدرة الله وعظمته بشكل أكبر، وازدادت معرفته بعدمه واضمحلاله؛ وبالتالي، فإنّ حالهم هو الذي كان يقتضي هذا المعنى، ولم يكن أمرًا مغايرًا للواقع، وذلك بأن يظهر عليهم ما يُخالف هذا الواقع ونفس الأمر، بل كان ذلك هو حالهم الفعليّ؛ إذ إنَّ مقام العبوديّة يُحتّم عليهم الشعور بالخجل في أنفسهم؛ ولو لم يشعروا بهذا الخجل، لكان ذلك مخالفًا لمقتضيات ذلك المقام۱.
في إحدى خطب عيد الأضحى، ألقى أمير المؤمنين خطبة طويلة جدًّا نقلها المرحوم الشيخ الصدوق في كتابه "من لا يحضره الفقيه"، وصاحب الجواهر في كتابه "الجواهر" في باب صلوات العيدين، وقال فيها عليه السّلام:
«فَوَ اللَّهِ لَو حَنَنتُم حَنِينَ الوَالِهِ العَجلَان، ودَعَوتُم بِمِثلِ دُعَاءِ الأَنَامِ، وجَأَرتُم جُؤَارَ مُتَبَتِّلِي الرُّهبَان...» (والكلام مفصّل جدًّا) ٢
أقسم بالله، لو صرختم وضججتم كالمساكين المتحسّرين الذين ليست لهم حيلة، وصِحتم كالثكلى بولدها، وارتفعت أصواتكم بالأنين المـُحرق للقلوب، وبكيتم طيلة أعماركم، جالسين على التراب، و...، وسألتم الله أن يغفر لكم ذنبًا واحدًا من ذنوبكم، لما كنتم مستحقّين لذلك مقابل هذه الأعمال.
«ولَكن بِرَحمَتِه تُرحَمُون»٣؛ فرحمة الله تعالى هي التي تأتي، وتغمر الجميع، وتتغاضى عن الذنوب، وتغفرها، وتذهب بها.
وفي هذه الحالة، لو كان الأمر حقيقةً بهذا النحو، وكان الإنسان طيلة حياته في حال بكاء وأنين من أجل محو سيّئة من سيّئاته، هل يُمكنه أن يعتبر في قرارة نفسه وذاته أنّه مستحقّ بسبب هذا الأمر للثواب والمغفرة والجنّة؟! كلاّ! من الذي أعطاه هذا الحقّ؟ ومن الذي منحه إيّاه؟ أليس الله هو الذي منَّ عليه بذلك؟! فالله تعالى هو الربّ، وهو مالك الملك، ولا يتجرّأ أحدٌ على مخالفته في مقام ربوبيّته؛ غير أنّ رحمته عامّة، فتأتي هذه الرحمة، وتغمر الجميع، وتغفر لهم وتشملهم؛ «ولَكن بِرَحمَتِه تُرحَمُون».
- لمزيد من الاطّلاع على مسألة أنّ تضرّع الأئمّة الأطهار عليهم السلام وندبتهم ومناجاتهم وابتهالهم لم يكن من باب التصنّع أو الإرشاد والتعليم، راجع: رسالة لبّ اللباب، ص ٩٤.
- من لا يحضره الفقيه، ج ۱، ص ٥۱٩.
- جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، ج ۱۱، ص ٣٤٣؛ أنوار الملكوت، ج ٢، ص ٢٩۸:
رُوي أنّ أمير المؤمنين عليه السلام قال في خطبة عيد الأضحى: «فوالله لو حننتم حَنِينَ الوالِهِ العَجلانِ [العِجَالِ]، ودَعَوتُم بِمِثلِ دُعاءِ الأنامِ، وجَأرتُمْ جُؤارَ مُتَبَتِّلِي الرُّهبانِ، وخَرَجتُم إلَى اللهِ مِنَ الأموالِ والأولادِ، التِماسَ القُربَة إلَيهِ في ارْتِفاعِ دَرَجَة عِندَهُ أو غُفرانِ سَيِّئَة أحصَتْها كَتَبَتُهُ وحَفِظَتها رُسُلُهُ، لَكانَ قَلِيلًا فيما أرجُو لَكُم مِن ثَوابِهِ، وأتَخَوَّفُ عَلَيكُم مِن ألِيمِ عِقابِهِ! وبِاللهِ لَوِ انْماثَتْ قُلُوبُكُمُ انْمِياثًا، وسَالَت عُيُونُكُم مِن رَغبَة إلَيهِ ورَهبَة مِنهُ دَمًا، ثُمَّ عُمِّرتُم في الدُنيا ما كانَتِ الدُنيا باقِيَة ما جَزَتْ أعمالُكُم! ولَو لَم تُبقُوا شَيئًا مِن جُهدِكُم لِنِعَمِهِ العِظامِ عَلَيكُم، وهُداهُ إيّاكُم إلَى الإيمانِ، ما كُنتُم لِتَستَحِقُّوا أبَدَ الدَّهرِ ما الدَّهرُ قائِمٌ بِأعمالِكُم جَنَّتَهُ ولا رَحمَتَهُ، ولَكِن بِرَحمَتِهِ تُرحَمُونَ، وبِهُداهُ تَهتَدُونَ وبِهِما إلَى جَنَّتِهِ تَصِيرُونَ، جَعَلَنا اللهُ وإيّاكُم [بِرَحمَتِهِ] مِنَ التّائِبِينَ والعابِدِين ... » الخ.
