
الدعاء بين المجاز والحقيقة
شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ – الجلسة السابعة
في هذه المحاضرة التي عقدها سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ، سعى بدايةً إلى بيان السرّ في عدم إمكانيّة اعتماد الإنسان على أعماله، ثمّ تحدّث عن حقيقة الإحسان الإلهيّ الذي يتوجّب على الإنسان الاتّكال عليه، وبيّن أنّ المجاز هو قنطرة للوصول الحقيقة، مشيرًا إلى دور التعاليم الشرعيّة في وصول الإنسان إلى المقامات العالية، ثمّ تكلّم عن مقدار سعة الرحمة الإلهيّة في مقابل أعمال الإنسان السيّئة، مبيّنًا في ضمن ذلك كيف يُربّي الله تعالى الإنسان بواسطة يدي جماله وجلاله؛ ليخلص في الأخير إلى أنّ اليأس رأس جميع الذنوب.
الدعاء بين المجاز والحقيقة
2أعوذ باللهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيمِ
بِسمِ اللهِ الرَّحمٰنِ الرَّحيمِ
و صَلَّى اللَهُ عَلَى محمَّد وآلِهِ الطّاهِرينَ
وَلَعنَةُ اللَهِ عَلَى أَعدَائِهِم أَجمَعينَ
مِنَ الآنَ إِلَى قيامِ يومِ الدّين
السرّ في عدم إمكانيّة اعتماد الإنسان على أعماله
«لَستُ أتَّكلُ فِي النَّجَاةِ مِن عِقَابِك عَلَي أعمَالِنَا، بَل بِفَضلِك عَلَينَا؛ لِأنَّك أهلُ التَّقوَى وَأهلُ المَغفِرَة، تُبدِئ بِالإحسَانِ نِعَمًا، وَتَعفُو عَنِ الذَّنبِ كرَمًا؛ فَمَا نَدرِي مَا نَشكرُ أَجَمِيلَ مَا تَنشُرُ، أم قَبِيحَ مَا تَستُر، أم عَظِيم مَا أبلَيتَ وَأَولَيتَ، أم كثِيرَ مَا مِنهُ نَجَّيتَ وَعَافَيتَ؟»
أحيانًا، يعتمد الإنسان من أجل نجاته على الأعمال التي يأتي بها؛ وفي هذه الحالة، علينا أن نرى هل هذا الاعتماد والاتّكال صحيح أم لا؟
فأوّلاً، وبغضّ النظر عن الأعمال السيّئة، فإنَّ جميع الأعمال الصالحة التي يأتي بها الإنسان إنّما تتمّ بتوفيق من الله؛ ولولا إرادته تعالى، لما تمكّن هذا الإنسان من القيام بأيّ عمل من أعمال الخير؛ وبالتالي، إن توفّق الإنسان للإتيان بعمل الخير، فإنّ ذلك يرجع إلى الإحسان الإلهيّ الذي غمره.
وعلاوةً على كلّ ذلك، لو فرضنا أنَّ الإنسان هو الذي قام بجميع تلك الأعمال الصالحة، فإنّه لن يكون قد أتى بذلك المستوى من العمل الذي يليق بساحة القدس الإلهيّ، ولن يكون قد أدّى ـ في مقام العبوديّة ـ ذلك المقدار من العمل الذي يتناسب مع مقام ربوبيّته تعالى؛ ولهذا، نرى بأنَّ جميع النفوس تشعر هنا في داخلها بالخجل؛ وهذا إن دلّ على شيء، فإنّما يدلُّ على عدم التمكّن من أداء الحقّ الإلهي كما يجب وينبغي، وبأنّ الناس لا يتمكّنون من الإتيان بهذا الحق، وإلاّ لما تحقّق بينهم هكذا انكسار.
وإضافة إلى ذلك، فإنَّ الإنسان يأتي بأعمال سيّئة أيضًا إلى جانب تلك الأعمال الحسنة؛ فإن أراد الله العليّ الأعلى مؤاخذته على واحدة من هذه الأعمال السيّئة، فبأيّ دليل وبرهان يستطيع الإنسان الاحتجاج على الله، والقول: إنّك لا تملك هذا الحقّ؟! بل:
«لَك الحُجَّةُ عَلَيَّ فِي جَمِيعِ ذَلِك، ولَا حُجَّةَ لِي فِي مَا جَرَى عَلَيّ فِيهِ قَضَاؤُك، وألزَمَنِي حُكمُك وبَلَاؤُك»۱.
فالله تعالى هو الذي يُقيم الحجّة على الإنسان، ويقول: أنا الإله، وأنا القادر والعالم والمحيط والحيّ، وقد أمرتك وأنت عبدي، فلماذا خالفت أمري؟! كما أنّ هذه المخالفة لم تكن عن اضطرار وإجبار، بحيث سُلبت منك إرادتك، بل خالفتني بمحض هذه الإرادة. فلو أراد الله تعالى أن يتغاضى عن جميع الأعمال الحسنة التي أتى بها الإنسان، ويُعاقبه على سيّئة واحدة من سيّئاته، لما ارتكب عملاً خاطئًا، بل سيكون قد عامله بعدله؛ لأنّ جميع تلك الأعمال الحسنة لن تصل إلى مستوى ما يستحقّه تعالى، بل وعن أيّ أعمال حسنة نتحدّث هنا؟! هذا، مع أنّه اقترف مجموعة من السيّئات التي لا يستطيع الدفاع عن واحدة منها، ولا يقدر على تبريرها في محكمة العدل والمؤاخذة الإلهيّين؛ وحينئذ، من سيتمكّن ـ والحال هذه ـ من الاعتماد على عمله؟!
- الصحيفة العلويّة والتحفة المرتضويّة، ص ۱٩۸، مقطع من دعاء كميل؛ مصباح المتهجّد وسلاح المتعبّد، ص ۸٤٦، مع اختلاف يسير.
