
الدعاء بين المجاز والحقيقة
شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ – الجلسة السابعة
في هذه المحاضرة التي عقدها سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ، سعى بدايةً إلى بيان السرّ في عدم إمكانيّة اعتماد الإنسان على أعماله، ثمّ تحدّث عن حقيقة الإحسان الإلهيّ الذي يتوجّب على الإنسان الاتّكال عليه، وبيّن أنّ المجاز هو قنطرة للوصول الحقيقة، مشيرًا إلى دور التعاليم الشرعيّة في وصول الإنسان إلى المقامات العالية، ثمّ تكلّم عن مقدار سعة الرحمة الإلهيّة في مقابل أعمال الإنسان السيّئة، مبيّنًا في ضمن ذلك كيف يُربّي الله تعالى الإنسان بواسطة يدي جماله وجلاله؛ ليخلص في الأخير إلى أنّ اليأس رأس جميع الذنوب.
الدعاء بين المجاز والحقيقة
16«وَلَا كفَفتُ عَن تَمَلُّقِك بِجُودِك وَكرَمِك»؛
فمهما طردتني، فلن أبرح هذه الدار؛ فأنا لا أعرف دارًا غيرها؛ لهذا، لن أكفَّ عن التملّق.. لماذا؟ لأنَّ قلبي صار عارفًا، وتوصّل إلى جودك؛ فعلمتُ أنَّك أهل الجود؛ وحينما عرفتُ من يكون صاحب البيت، فلن أتراجع أبدًا.
«وَأنتَ الفَاعِلُ لِمَا تَشَاءُ، تُعَذِّبُ مَن تَشَاءُ بِمَا تَشَاءُ كيفَ تَشَاءُ، وَتَرحَمُ مَن تَشَاءُ بِمَا تَشَاءُ كيفَ تَشَاءُ».
«أنتَ الفَاعِلُ لِمَا تَشَاءُ»؛ فأنت يا إلهي فاعل، وتفعل كلّ ما تشاء، والمشيئة مشيئتك.
«تُعَذِّبُ مَن تَشَاءُ بِمَا تَشَاءُ كيفَ تَشَاءُ»؛ فتعذّب من تشاء بأيّ مقدار تشاء، وبكلّ ما تشاء، وبأيّ نحوٍ تشاء، وبأيّة طريقة تريدها.
«تَرحَمُ مَن تَشَاءُ بِمَا تَشَاءُ كيفَ تَشَاءُ»؛ فرحمتك تغمر كلّ من تشاء، وبأيّة طريقة تريدها، وبأيّ مقدار تختاره.
«تَرحَمُ مَن تَشَاءُ بِمَا تَشَاءُ كيفَ تَشَاءُ»؛ إلهي، إنّ المشيئة بأجمعها مشيئتك؛ فاختر لنا بهذا النحو!.
فنحن عبادك الضعفاء، ونحن نسألك، وأنت القائل بأنَّ هذا المجاز هو قنطرة الحقيقة؛ وما دمنا نؤمن بالمجاز، فلا تجعلنا يا ربّ من زمرة «تُعَذِّبُ مَن تَشَاءُ»، بل اجعلنا من زمرة «تَرحَمُ مَن تَشَاءُ»، وارحمنا! فنحن نعلم بأنَّ كلّ شيء بيدك، وحلّ جميع المشاكل والمعضلات بيدك، وأنت مصدر كلّ رحمة؛ ونعلم أيضًا أنّك تريد منّا ذريعةً وحسب؛ وها نحن قد وضعنا أنفسنا تحت إحدى هذه الذرائع، فلتشملنا رحمتك يا ربّ.
«لَا تُسأَلُ عَن فِعلِك وَلَا تُنَازَعُ فِي مُلكك وَلَا تُشَارَك فِي أمرِك وَلَا تُضَادُّ فِي حُكمِك».
سنترك إن شاء الله شرح هذه الفقرة إلى الليلة القادمة إن وفّقنا تعالى لذلك، وأبقانا إلى الغد.
نسأل الله العليّ الأعلى أن يُظلّنا برحمته بالمقدار الذي يشاء وبالكيفيّة التي يريد؛ وأن يجعل هذه المجازات قنطرة وجسرًا للعبور إلى الحقيقة؛ وأن يجعل في الأخير نتيجةَ هذه المحاورات الوصولُ إلى مقام عزِّه وعظمته؛ وألاّ يؤاخذنا بأعمالنا، بل يشملنا بسعة جوده ورحمته وكرمه التي شملت المذنبين؛ وأن يُخرجنا من ضيق الجهات والتعيّنات إلى مقام عزِّه وسعته وانبساطه، وإلى المقام غير المتناهي لأسمائه وصفاته؛ وأن يجعلنا نفنى في ذاته المقدّسة؛ وألاّ يكلنا في جميع العوالم إلى أنفسنا طرفة عين أبدًا.
