
الدين الحقّ هو الدين المطابق للفطرة
المرأة والأسرة – قم – الجلسة السابعة
استخلص سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ (قدّس الله سرّه) ثلاثة مطالب مِنَ الآية الكريمة (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنيفًا فِطْرَتَ الله الَّتي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْديلَ لِخَلْقِ الله ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)؛ المطلب الأوّل في بيان الفطرة وكيفيّتها وموارد عَملها ودورها وآثارها، فأجمل القول في بعضها وفصّله في أخرى. والمطلب الثاني في أنّ الدين القويم يتوافق مع الفطرة، فلا يشذّ أيّهما عن الآخر مطلقًا، مستنتجًا أنّ الدين الّذي يتلاءم مع الفطرة هو الدين الحقّ، والعكس بالعكس. والمطلب الثالث في الثبات على الدين الفطريّ وصرف الاهتمام إليه دون سواه.
الدين الحقّ هو الدين المطابق للفطرة
9قصّة أحد الرجال مع أمير المؤمنين عليه السلام
حصل في زمن أمير المؤمنين أن اعتزل أحدُهم الناسَ في صحراء وذهب يشتغل بالصلاة، وحصلت له حالات جيّدة، ولكنّه كان قد ترك زوجته وأطفاله بدون معين، قائلًا: إنّ لهم الله سيرعاهم. استدعى أمير المؤمنين أخاه وأمره بإحضار ذلك الرجل، وعندما حضر نَهرهُ أمير المؤمنين بشدّة وقال له: من تَعبد، إنّ الّذي تعبده قد أمرك بالاعتناء بزوجتك وأطفالك، وأن توفّر لهم حاجاتهم، فمَن تعبد؟! إنّ هذه العبادة لا يمكن أن تكون لله، بل هي لذلك الإله الخياليّ الّذي صنعته لنفسك. إنّ العبادة الحقيقيّة هي أن تجلس وتنتظر وترى ما يُرضي الله، فتُقدم عليه، وتترك ما يُسخطه، هذا هو الإله الحقيقيّ.
قصّة أحد الرجال مع أويس القرنيّ
يُقال إنّ أويسًا خلال مروره مِن مكان ما، رأى شخصًا يصلّي داخل قبر، فوقف على رأسه ساعة، ووجده، ما إن يتمّ ركعتين حتّى يأتي بغيرهما، فقال له: ماذا تفعل؟ قال: أُصلّي حتّى أجتنب ضغطة القبر وعذابه. فقال له: منذ متى وأنت على هذه الحال؟ قال: أنا على ذلك منذ عشرين سنة. فقال له: أتصلّي في هذه الحفرة منذ عشرين سنة؟ قال: نعم. فقال له: لقد ابتعدت عن الله مدّة عشرين سنة. لماذا؟ لأنّه متى أمر الله بالصلاة مِن أجل اتّقاء عذاب القبر؟! كان عليك أن تشتغل بعباداتك [المشروعة] ومعاملاتك، وبذلك يرتفع عنك عذاب القبر، فليس لدينا صلاة ترفع ضغطة القبر، وبالتالي فقد حوّلتَ ضغطة القبر إلى صنم تعبده، فكان عليك أن تصلّي لله لا لهذا التراب والحجر، وعليك أن تصلّي لله لا للفرار مِن منكر ونكير، وعليك أن تصلّي لله لا خوفًا مِنَ العذاب وأمثاله. ألاحظتم كم الأمر مهمّ!
الفطرة موهبة إلهيّة مُفعَّلةٌ عند الجميع دون استثناء
الفطرة موهبة إلهيّة تُمكِّن حتّى الإنسان العاديّ – إن لم يكن له غرض أو فيه مرض – مِنَ النظر في أعمال الآخرين [فيميّز الصالح منها] ويقبل به، وبهذا يكون الطريق الّذي يطويه متوافقًا مع الفطرة، ويكون كلامه مطابقًا للفطرة.
والمراد مِنَ الناس العاديّين هنا، هم أولئك الّذين نرجع إليهم في موارد عديدة، على سبيل المثال؛ لو تعرّض أحد إلى ظلمٍ وهو يمشي في الشارع، كأن يتهجّم عليه اثنان مِنَ المارّة ويحاولان ضربه، ألن سيستغيث حينئذٍ قائلًا: أيّها الناس تعالوا وانظروا، إنّهما يريدان ضربي! لماذا يقومان ذلك! ألن يقول حينئذٍ: أيّها الناس تعالوا وانظروا! أيّها الناس لا تدَعوهم يفعلون ذلك! فهو عندما يقول ذلك، إنّما يطلب أنّ يحكِّم الناس فطرتهم في هذه القضيّة.
